الرئيسيةرأي وتحليل

اللاعنف يبدأ من معرفة الذات القوية – ناجي سعيد

حكاية “ناهدة” التي شجعت ولدها “وهبي” على ممارسة الرياضة لأن “أولاد الشارع” ضربوه

سناك سوري-ناجي سعيد

عاد “وهبي” إلى المنزل وهو يبكي، فقد ضربه “ولاد الشارع”. ولم تجد والدتهُ طريقًا لحلّ هذه المشكلة التربويّة، سوى تشجيعه على ممارسة الرياضة، لتقوية بدنه، أي نعم الصحّة الجسدية تاجٌ على رؤوس الأصحّاء لا يراه إلاّ المرضى، ولكنّها ليست للتعدّي على الآخرين، وقد تُستخدم للدفاع عن النفس في حال الضرورة. الصحة الجسديّة تعكس اتّزانًا على شخصيّة الرياضي القويّ. ولكن لا ضرورة للمبالغة أو الإمعان في اتقان رياضة معيّنة، فالمطلوب حدّ أدنى من المواظبة على رياضة روتينيّة.

وتعتقد والدة وهبي أنّ تشجيعها له على الرياضة، ليس سوى لمنع الآخرين من التعدّي عليه. ولكن لا تُدرك بأن فائدة الرياضة تنعكس على المستوى النفسي. والقول الشائع: الإناء ينضح بما فيه (وهو شطرٌ من بيت شعرٍ) بغضّ النظر عن السياق الذي كُتب فيه، ولكن المقصود بمعناه، هو ما أتحدّث عنه الآن، فلو كان الشخص مُعتلاًّ، تراه يرى الآخرين بشكلٍ سلبي، ولا يمكنه أن يرى إيجابيّات أحد. الصحّة هي مفهوم متكامل، مرتبط بشخصيّة الإنسان، التي تحمل أبعادًا أربعة، فالجسد يُمثّل البُعد الفيزيولوجي، والدماغ هو للبُعد العقلي. والقلب للجانب العاطفي الاجتماعي. أما الجانب الروحي فروح الإنسان كفيلة بتغذيته.

ومن تجربتي الشخصيّة، بعد حادثٍ تعرّضتُ له منذ حوالي خمس سنوات، سأقول وبصراحة تامّة: لا أحد يعلم ما بداخلي من صراع، طوال الوقت أقمعه بقوّة عقلي. والصراع بدأ بعد الحادث الذي عرّض جسدي (الإناء) للتصدّع. فالشعور الذي يتسرّب من ثقوبٍ لم أصنعها، هي شعور بالغِيرة والحسد والحشريّة. وبالطبع يتملّكني شعور بإلغاء الآخرين بعض الأحيان. وتحديدًا عند سلوك البعض أمورًا لا أحتملها. ومشكلتي أنّي أعلم “مشكلتي”. فحالتي الجسديّة، انعكست على “باطنتي” كما يقول أسعد، فأصبح يتملّكني الشعور بالحشرية، لمعرفة مضمون الحديث بين زميلين في المكتب، لو لم يكن الموضوع يعنيني.

اقرأ أيضاً: الإعلام الفضائحي.. تواطؤ الضيف والمُقدِم على الجمهور – ناجي سعيد

“وخلصت دراسة حديثة أجرتها جامعة “غوتينغين” الألمانية إلى أنه من بين 200 رجل، تبين أن الأقوى جسديا وعضليا ومن يتمتعون بصدر عريض وعضلات ذراع هم الفئة الأكثر انفتاحا على الأرجح، لاسيما من حيث الإقدام والثقة بالنفس والنشاط الجسدي.” ومن هذه الدراسة نستنتج بأن القوّة الجسدية، لا تؤثّر سلبًا على شخصيّة الإنسان. فطالما اهتممنا بالبنيان، لا خوف من سلوك ومواقف سلبية تنبع من داخل هذا البنيان المتين.

ومن ناحية دينيّة، فالحديث النبوي يوضح بأن القوّي ليس من يتعدّى على الناس. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَيْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ” (متفق عليه). فهل يتّفق العلم والدين على أمرٍ تربويّ اجتماعي فيه صلاح المجتمع، ويعارضه اللاعنف؟ بالطبع لا، فمن أساسيّات اللاعنف أن تكون قويّ الشخصية، والشخصيّة بأبعادها الجسديّة والنفسية والفكرية.

كيف يمكن لإنسان طامح للتغيير باللاعنف؟ وهو يخاف من شكوك المُغرضين الذي لا يؤمنون باللاعنف، فالشجاعة تبدأ بالعناية والاهتمام بقوّة الجسد لتخلص إلى قوة مواجهة وجرأة أدبيّة لجدال المشكّكين. اللاعنف يبدأ من معرفة الذات، وليست الذات الضعيفة، لا بل الذات القويّة. والتي يأتي تدعيم أساساتها في تربية أطفالنا، وأقول لناهدة (أمّ وهبي) بأن الأساسات لا تكتمل إذا ما بنينا جسد الطفل وتركنا باقي الأجزاء من شخصيّته، تتقاذفها مشاعر الخوف والرعب من الآخرين.

اللاعنف، يبدأ بتنظيف الذات من أورام المشاعر السلبية، فلا يمكن لشخصٍ يعاني مشكلات نفسيّة، أن يدّعي اعتناق اللاعنف. وطرد الخوف من الذات تعني ألا يخاف أحد (أنظمة أو أشخاص). الحذر واجب في الحياة، ولكن لا يعني أن نقبع سجناء في قمقم الخوف من الآخر. اللاعنف قوّة، والقوّة تدفع الإنسان إلى حبّ المغامرة، وليس هذا للغرق في المجهول، بلّ مواجهة الظلم والعنف، وبقّوة أكبر، فالناس يربطون القوة بالعنف، والدمّ والقتل. العنف أعمى، واللاعنف مُبصر، يميّز الخطأ من الصواب. وإناء اللاعنف ينضح بما فيه.

اقرأ أيضاً: اللاعنف يحتاج قراراً ليس فقط تعليماً – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى