العنف البصري – ناجي سعيد

ناجي سعيد

كيف نلوم أطفالنا على إدمانٍ نحن نساهم بتعزيزه؟ فالتربية السليمة أوّل الغيث

سناك سوري- ناجي سعيد

بعد الحادث الذي تعرّضتُ له منذ أربع سنوات، طلب منّي الطبيب أن أعتمد ألعابًا تنشّط ذاكرتي، حيث كانت إصابتي في الحادث في الدماغ، ولكي أنشّط ذاكرتي، صرتُ مواظبًا – ولستُ مُدمنًا- على ألعابٍ وتطبيقات أنزلتها على هاتفي الآيفون.

هذا الأمر طبيعي بالنسبة لي في عمر النضوج، لكنّ يُزعجني كيف تمرّ الإعلانات وتُفرض عليّ مشاهدتها لكي تُكمل لعبتك المفيدة. وجميع هذه الدعايات عنيفة جدًّا، وحتّى لو كانت خالية من إطلاق النار والأسلحة والقتل والدم، ففي العالم الإفتراضي يكفي أن تُظهر اللعبة بطلاً وهو داخل الشاشة، حيث يُفترض التحكّم به وإدارته من قِبَل صاحب الهاتف ومُنزِّل التطبيق.. ليعلق في الفخ. نعم فالفخ ظاهره جذّاب وباطنُه مُدمّر.

وبالرسم التبسيطي، الأقرب إلى الإختزال، حيث الرأس عبارة عن “دائرة”، واليدان مستطيلان طويلان وكذلك الأرجل. وهذا البطل الإفتراضي يستخدِم أداةً تُشبه العصا الطويلة، تساعده في دفع أشخاص كثيرين حين يهاجمونه، فيرميهم إلى الهاوية. وهذا المفهوم الذي يصل إلى مُستخدمي الهواتف الذكية التي تحمل هذه الألعاب، هو “إلغاء الآخر”. وأوّل ردّة فعل عند ضحايا الهواتف الذكية : “هيدي مجرّد لعبة”. نعم فهو ليس مُحلّلاً ولا خبيرًا تربويًا، وهذا ليس مطلوبًا، لا بل مُجرّد الإطّلاع على أضرار استخدام الهواتف يحمي من أن يكون المرء ضحيّة. والضرر الذي ذكرتهُ هذا، هو على مستوى المفاهيم. فالتربية اللاعنفيّة لا بدّ من أن تعنى بنشر المفاهيم الإيجابية لصالح الإنسان، في البيت وفي المدرسة وحتى المُجتمع (مع أن هذا صعب).

اقرأ أيضاً: التربية الجنسية في مواجهة اغتصاب الأطفال_ ناجي سعيد

وفي المستوى الأعمق وغير المرئي للحديث عن أثر الألعاب الإلكترونيّة، فنحن نعلم أن الحواس هي المدخل الذي يلملم المعرفة الحسّية ليتمّ تخزينها في الدماغ لتصبح معرفة شبه مؤكّدة. وهذا مسار علمي يعكس عملية التعلّم لدى الأطفال، ويفتح هذا المسار الدماغ ويُشرّع أبوابه، فتدخل رياحٌ غير تربوية. وما أقوله يعتبر حتمية بيولوجية، فالإنسان بالعادة: يلمس سطحًا ما، وحين يشعُر سخونة السطح مثلاً، يرفع يده كردّة فعل سريعة، ليحمي يده من الإحتراق. لكن الفرق بين هذا المثل البيولوجي، وما أتناول الحديث عنه، هو غياب ردّة الفعل السريعة، فالأثر للألعاب التكنولوجية في العالم الإفتراضي، لا تحرق اليد أو أي عضو في جسم الإنسان.لكن أثرها غير المباشر يدخل الدماغ ليتمركز ويعتبر نفسه من السكّان الأصليين.
ولازلت حتّى الآن أبحث في الأسباب التي تجعل حسن وأيمن يُدمنان على الألعاب الإلكترونية هذه، هل هو نُفورهم من النظام المدرسي البالي الذي يبتعد عن التربية والأطفال، ويعتبر التكنولوجيا عدوّته اللدودة؟ مع العلم بأن الأمرَ جدّ طبيعي، فكثيرًا ما نسمع تذمّرًا من الأباء والأمهات ومن يقوم مقامهم: “شو هالجيل هيدا؟ جيل كرتون ما بيتحمّلوا شي”. ولكنّنا لو أخذنا الموضوع من الناحية الدماغيّة، نجد بأن الحداثة و” العصرنة” تكمن في التطور المحيط بنا، لكنّ مدى تكيّف دماغ الطفل أفضل بكثير من الكبار، حيث لايزال دماغه في طور النموّ. وهذا الأمر يدفع والدة حسن وأيمن بالصراخ عليهما: افتحوا كتاب وادرسوا بدل اللعب وتضييع الوقت.. وأنا كمراقب تربوي للحدث، أجد أن الطرفين على حقّ. فالطفلان مُحقّان في الإدمان على ألعابٍ تحاكي مستوى ذكائهما، ومسار عمل دماغهما بشكلٍ صحيح. والوالدة بحسب إدراكها، تعرف تمامًا بأن التعليم لا يتمّ إلا بين دفّتي الكتاب، وعند إنجاز واجبات منزلية مُملّة للأطفال. حتّى لو تعاطفت مع الطرفين، فهذا لا يُقلّل من الأذى الذي يلحق بالمدمنين على اللعاب الإلكترونية، ومهما كان العمر، فالأثر السلبي يأتي من خلال إعتياد حاسّة البصر أوّلاً على مشاهدة العنف، وهذا يُمهّد الطريق لحاسة السمع باعتياد سماع صوت الرصاص والصراخ الناتج عن العنف.

اقرأ أيضاً: العنف في تربية الأطفال- ناجي سعيد

ولا أستغرب إقبال، لا بل إدمان بعض الأصدقاء على لعبةٍ اشتهرت في هذا المجال، “بابجي”، ويسخرون من الشخص الذي لا يعرفها، فالأثر الذي أتحدّث عنه لهذه الألعاب على الأطفال لا يُضاهي خطورة أن يُدمن الكبار عليها. فالطفل لا زال في طور التربية ويكفيه بيئة حاضنه تعالج هذا الإدمان. لكن ما بالنا في عالم الكبار الذي يفترض إدمانه على الألعاب الإلكترونية أن يكون العنف أمرًا طبيعيًّا. الرقابة في الدول المُتقدّمة (تربويًّا) تضع العمر المناسب لكل برنامج يُعرض على التلفاز، حتّى نشرات الأخبار، يُمنع الأطفال من مشاهدتها لما تحويه من عنفٍ في أغلب الأحيان. البرامج التلفزيونيّة جعلت من العنف موضة، لو لم يتابعها المرء، فهو متأخّر عن الركب. كثيرًا ما كنتُ أسمع أصدقائي خلال السهرات (قبل الكورونا طبعًا) يتحدّثون عن مسلسل يتابعونه ويدعى : Game of Thrones، وهذا الاسم يُشعرك وكأن العروش التي تُمثّل السلطة، لا يمكن الحصول عليها إلا بالعنف الذي يراه المؤلّف لهذا المسلسل لعبة للسيطرة على السلطة.
كيف نلوم أطفالنا على إدمانٍ نحن نساهم بتعزيزه؟ فالتربية السليمة أوّل الغيث، ثمّ وضع برنامج يومي لأطفالنا يسمح لهم بممارسة هوايات مختلفة غير الألعاب الإلكترونية (كالرياضة والرسم وهوايات أخرى..)، ومن الضروري مشاركة أطفالنا في أنشطة تربوية مفيدة وتُشعر الطفل بالتقدير والإهتمام. وفي ختام المقال أودّ أن أذكر معلومة مهمّة قرأتها، تفيد بأن الإشعاعات التي تصدر عن الأجهزة كالتلفاز والحاسوب والهواتف الذكيّة، تؤثّر سلبًا على رأس الإنسان بأعضائه الموجودة كلّها :الدماغ/ العيون/ الأذان/ البشرة..

اقرأ أيضاً: اللاعنف ومستقبل الإنسان- ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع