الروتين والبيروقراطية كاستراتيجية ضغط وابتزاز

مصائب قوم عند قوم فوائد

سناك سوري – بلال سليطين

يمكن أن يتحول الروتين والبيروقراطية إلى استراتيجية عامة تستخدم للضغط على المواطنين من قبل مختلف الجهات بدءاً من صف المدرسة إلى الجامعة والوظائف الحكومية وصولاً إلى أساليب الأجهزة الأمنية وحتى القضاء ….. إلخ.

مصطلح الروتين والبيروقراطية الذي درس الطلاب عنه في المدارس الحكومية أصبح أداةً قوية يمكن لأي صاحب سلطة أن يتحكم من خلالها بمن له سلطة عليهم جزئية أو كلية أو يعطل من خلالها مصالح الآخرين ويبتزهم.

وآفة الروتين والبيروقرطية لم يوجدا من دون دواء موضعي لهما حيث أن لهما حلاً سحرياً، والقضية أو المعاملة التي تحتاج شهراً لحلها أو إنهائها يمكن إنجازها خلال أقل من 24 ساعة إما بقرار أو برشوة، على سبيل المثال معاملة متعثرة (زمنياً وإجرائياً) نجدها حُلت باتصال هاتفي من فوق، أو معاملة يقول الموظف إنها تحتاج كذا وكذا وكذا، وبعد الرشوة يقول لصاحبها اتركلي إياها وراجع بكرا بتلاقيها خالصة (ومنجز فيها كذا وكذا وكذا).

يُترجم الروتين والبيروقراطية بأشكال متعددة على أرض الواقع فعلى سبيل المثال يمكن لمدير في مديريته مسابقة توظيف ونجح فيها بحكم القانون والقواعد التوظيفية الطالب الأعلى معدلاً في الجامعة وهو يريد نجاح الطالب ذو الترتيب الثاني في الجامعة، وهنا بإمكانه عبر الروتين والبيروقراطية إبطاء تبليغ الطالب المتفوق بنجاحه بحيث لا يستلم التبليغ إلى ماقبل الموعد الأخير لتسليم الأوراق بيوم واحد وبالتالي يصبح غير قادرٍ زمنياً على تأمين الأوراق واللحاق بالوظيفة ضمن المهلة وبالتالي تؤول الوظيفة إلى الطالب ذو الترتيب الثاني الذي أراده المدير.

اقرأ أيضاً:الشفافية التي نحتاج تطبيقها – بلال سليطين

سمعنا مرات عديدة عن أشخاص تم احتجازهم يوم الخميس وأطلق سراحهم يوم الأحد، ويقال إنه تم توقيفهم قصداً يوم الخميس لكي يبيتوا يومين في السجن وعندما يعرضوا على القاضي يوم الأحد يطلق سراحهم فوراً، عامل الروتين والبيروقراطية فرض الحفاظ عليهم في السجن يومين.

أو مثلاً يمكن لمواطن أو ناقد أن يكتب بوستاً فيسبوكيا ناقداً وقانونياً، ويتعرض لشكوى فيقوم المخفر باستجوابه طوال اليوم بحيث ينتهي الدوام الرسمي وبالتالي يغادر القضاة مكاتبهم مثلاً، فيقوم بايقافه إلى اليوم التالي بالمخفر ومن ثم يقوم القاضي بإخلاء سبيله فور عرضه عليه، لكنه بات يومه في السجن من دون جرم أو وجه حق وإنما اعتماداً على مبدأ الروتين والبيروقراطية (القانوني).

هناك حالات كثيرة في هذا الإطار وهي ليست حوادث فردية إنها حالة عامة تستخدم في مختلف المجالات، مواطن وصل إلى الحدود عرف أنه ممنوع من السفر، راجع الجهة التي منعته ومثلاً هي لا تريد السماح له بالسفر الآن (طبعاً المنع من أساسه غير قانوني)، فطلبت منه تقديم طلب عن طريق الهجرة والجوازات بأنه يريد السفر، الإجراء بحد ذاته غير لازم، لكنه أسلوب لتعطيل عملية السفر من أساسها واستثمار هذا التعطيل باتجاه معين.

اقرأ أيضاً: اللايك والشعبية وثقة القيادة وآلية التفكير

استخدام الروتين والبيروقراطية كأداة يمكن أن ينسحب على مختلف المجالات، في الصناعة مثلاً عندما لا تريد لمحافظة أن يكون فيها معامل فإنك تضع ألف شرط أمام الحصول على ترخيص، أو في التجارة فتجد فلان يستطيع الحصول على رخصة استيراد بربع ساعة وآخر يحتاج إلى 3 أسابيع، والاثنان قانونيان الأول حصل عليها بشكل قانوني وبزمن قياسي والآخر حصل عليها قانونياً بزمن قياسي من نوع آخر (بعد أن طارت البضاعة التي كان يريد استيرادها).

هذا لا يقتصر على مؤسسات أي دولة من الداخل وإنما تمتد إلى مؤسسات خارج الحدود مثل السفارات والقنصليات والتي يمكن أن تفرض إجراءات معقدة على المواطنين تطيل فترة حصولهم على الخدمات بينما يمكن أن يحصل عليها آخرون بزمن قياسي، مايفتح باب الفساد والرشوة والواسطات إلخ… بينما تتحسن الأمور عندما تسرع الإجراءات، فكم الفرق كبير بين أن تكون في دولة ما خارج سوريا وتراجع السفارة لتسجيل ابنك فيها فيقول لك الموظف أحضر لي اخراج قيد من سوريا كشرط للتسجيل وعندما تقدم له رشوة يتم تجاوز هذا الطلب، وبين أن تكون كل الاوراق التي تحتاجها متاح الحصول عليها من داخل السفارة إما بشكل مباشر أو عبر الفاكس.

إذا يمكن القول إن هناك نوعين رئيسين لاستثمار الروتين والبيروقراطية، إما كقرار من جهات ذات نفوذ في دولة ما بأن عطلوا إجراءات فلان أو ضعوا العراقيل هنا أو هناك … إلخ، أو كوسيلة ابتزاز مادية للمواطن الذي يضطر للدفع، وبالتالي في كلا الحالتين يظهر الروتين والبيروقراطية ليس بشكل حالة عشوائية وإنما كاستراتيجية منظمة يمكن لقوى معينة في أي دولة تثبيتها والحفاظ على استمراريتها ومواجهة أي محاولة للحد منها لأنها بمثابة سلاح نزعه يفقد قوة وموارد من يستثمره.

اقرأ أيضاً التَنمُّر على الإصلاحيين – بلال سليطين

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع