التحرش بالصحفيات عنف محمي بالفساد والصمت

التحرش الجنسي في العمل

في اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء… مساومة على الحقوق مقابل الجنس

سناك سوري – لينا ديوب

تتفاوت ردة فعل كل من رئيس التحرير أو مدير التحرير، في حال رفضتُ تناول فنجان القهوة في مكتبيهما، بين تأجيل نشر موادي، أو نشرها بلا اسم، عدا عن حرماني من المهمات والاستكتاب، تقول “لما” صحفية تعمل بصحيفة حكومية(اسم مستعار) ، مضيفة:« لطالما تعرضت الى التحرش المباشر بالطلب مني البقاء لوقت متأخر في مقر الجريدة أو الذهاب خارجه، وعندما كنت أتهرب بحجة أن بيتي بعيد كانوا يعرضون علي سيارة تنقلني وقتما أشاء، إضافة إلى المهمات، أما الزملاء المراسلين مثلي فيتهموني بقلة الكفاءة وانعدام الموهبة، في حال لم أتجاوب مع تلميحاتهم، مقابل ذلك الزميلة التي كانت مقربة من رئيس التحرير كان لها السفر، والمواد ترسل لها إلى البيت من سانا لتعيد صياغتها وينشر لها صفحة كاملة مع اسمها، والحال بالقطاع الخاص ليس بأفضل، فالتهديد الأول هو ترك العمل، أما هنا بالعمل الحكومي حرمان من الاستكتاب والسفر أي الحقوق الطبيعية.

مساومة على فرصة العمل

خسرت الكثير من فرص العمل في القطاع الخاص بسبب التحرش المباشر، فقد تم قبولي بعد تخرجي من قسم الصحافة كمذيعة في إحدى المحطات الخاصة، لكن تمت مساومتي من قبل صاحب المحطة بأن أرافقه إلى بيته فخسرت الفرصة قبل أن أبدأ العمل، تقول صحفية لم تقبل الافصاح عن اسمها لسناك سوري، وتضيف:«التحرش بالجريدة الحكومية قائم ولكن بشكل مختلف، قد لا يكون مباشراً، لكنه يحرمُ من الترقية ومن الاستكتاب ومن النشر في الموعد المناسب، مما يسبب لي الإحراج مع المصادر التي اعتمدت عليها، والفرص هنا للصحفيات الأكثر قرباً من صاحب القرار في إدارة التحرير، لهن كل شيء، كنت أدعي عدم الانتباه بعد كل تلميح ومحاولة استمالتي، لأنني أعرف سلفاً أن لا حماية للنساء في مجتمعنا ولا للأطفال، لا يوجد مؤسسات رعاية للأمهات فكيف لنا نحن الصحفيات، لذلك لم أفكر باللجوء لأي جهة، ونشهد يوميا وصول قليلات الخبرة والكفاءة إلى مواقع متقدمة هنا في الجرائد وفي التلفزيون».

 

حق العمل ببيئة آمنة

أحياناً الجمال قد يكون سبباً ليفكر بعض المدراء بالتحرش، وقد تكون شخصيتك المنفتحة أو أناقة لبسك سبب آخر عند بعض أصحاب العقد الاجتماعية من رؤساء أو زملاء عمل، تقول إحدى المعدات بالتلفزيون لم تقبل بالإفصاح عن اسمها، و تضيف :«يصبح التجاوب مع تلميحاتهم شرط لترشيحك لأي عمل أو مكان أفضل، والضغط عليك أحيانا بتعسف في المعاملة لدفعك للقبول، وهنا أحرم من تقديم كفاءاتي الحقيقية، فتضيع جهود سنين من الاجتهاد لتحسين وتطوير كفاءاتي، نعم فقدت الكثير من الفرص وكانت كفاءتي وخبرتي كافية جدا لأحظى بفرص حقيقية في المجال الاعلامي وسلبت مني لأني لم أتجاوب مع ايحاءاتهم الواضحة، بقيت لسنوات وفي كل دورة برامجية أكتب اقتراحاتي فإما ترفض أو تحول لغيري لتنفيذها، ولا يوجد قانون يحمي ولأنني أشتكي أهمش أكثر».

تحرش معاكس

قد لا يكون التحرش باللمس المباشر وإنما تحرش لفظي تقول صحفية فضلت عدم ذكر اسمها: « قد نسمع كلام لا نرغب بسماعه ولكن كونه من مدير تضطر لسماعه، وقد يتم أحيانا برضى الصحفية رغبة منها بتحقيق مكاسب والوصول لمنصب أو مزايا من وراء علاقتها الجيدة بالمدير من خلال التعظيم فيه وذكر صفات غير موجودة فيه أو حتى الذهاب برفقته خارج أوقات العمل لتلبية دعوة غداء أو عشاء.
وهنا يمارس أحيانا الضغط أو التحرش بشكل معاكس حيث تفرض بعض الموظفات المعروفات بتحقيق مأربهن عن طريق التقرب من أصحاب المناصب نفسها على المدير وتحت الضغط يقبل بتواجدها الدائم في مكتبه فيعلم الآخرون قربها منه فيتجنبوها ويحققون مطالبها.

تعريف

عرّفت اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن القضاء على العنف والتحرش في العمل لعام 2019 التحرش بأنه: «مجموعة السلوكيات والممارسات غير المقبولة أو التهديدات المرتبطة بها، سواء حدثت مرة واحدة أم تكررت، تهدف أو تؤدي إلى إلحاق ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، وتشمل التحرش على أساس النوع الاجتماعي».

اقرأ أيضاً: أنا مو قطعة قماش ..تواجه العنف ضد النساء بسبب ملابسهن

دور المؤسسة لبيئة آمنة

تكشف الشهادات التي حصل عليها سناك سوري أن الصحفيات يتحركن في بيئة عمل لا حماية فيها، يقول مدير تحرير سابق لسناك:« كنت أتدخل لصالح الزميلات لكن ليس ضمن ميثاق عمل وإنما بسبب الثقة الشخصية وليس في جميع الحالات وإنما بين المراسلين والمراسلات فيما بينهم وأحيانا مع رؤساء الدوائر أما تحرش رئيس التحرير فلا».
وهذا يدفع للسؤال عن التوجه لمحاربة العنف القائم على النوع الاجتماعي وتحقيق العدالة الجندرية ودعم مشاركة النساء في العمل الإعلامي، حيث لا ميثاق شرف إلا في اتحاد الصحفيين وهو عام ولا يخصص ما ينظم علاقات العمل من منظور جندري، حتى مديرية الاعلام التنموي الذي يخصص جزء من عملها لدعم النساء ليس لها دور.

مدونة السلوك

تقول المحامية “رهادة عبدوش” المشاركة في كتابة مدونة سلوك سابقا: «لا توجد فوارق كثيرة بين مدونات السلوك ووثائق الشرف فكلاهما تحتويان قواعد يجب العمل بها والتقيد بمضامينها وكلاهما يتعهد المصادقة عليهما بالتقيد بهما والالتزام بمضامين القواعد والأخلاقيات الموضوعة بهما، وكلاهما لا يتم التقاضي أمام المحاكم إلا إن كانت قوانين الدولة تعاقب على ارتكاب الفعل لكن العقاب المفروض على الخلل بإحدى الالتزامات هو عقاب تفرضه الهيئات والمؤسسات الموقعة وتلتزم بها»، مؤكدة أن المؤسسات الاعلامية عليها أن تلتزم بمدونات سلوك ووثائق شرف تعتمد على مبادئ حقوق الانسان والمواثيق الدولية وتفرض عقوبات مناسبة على من يخترق أو تخترق تلك القواعد من مثل منع الإعلامي والإعلامية من العمل في تلك الوسائل وفضحهم واتخاذ إجراءات مسلكية بحقهم.

تحديد التعاريف

من المفترض أن تلتزم جميع وسائل الإعلام بالقواعد التي تحترم المساواة وعدم التمييز والتفرقة وبث الكراهية مثل وضع تعريف كما في مدونات السلوك لبعض المؤسسات العالمية مثال: يعد إعلاماً ماساً بصورة النساء وحقوقهن كل إعلام يشيّء النساء أو يمس بكرامتهن أو يحط من قيمتهن مستعملاً في ذلك خطاباً أو صوراً أو رموزاً أو تعابير أو مفاهيم أو مصطلحات لا تساير التطور الذي تعرفه الأدوار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للنساء، أيضاً تحديد التعاريف بشكل واضح مثلا: مصطلح العنف ضد المرأة القائم على النوع الاجتماعي وهو أي عمل مقصود أو غير مقصود يرتكب بأي وسيلة بحق المرأة لكونها امرأة ويلحق بها الأذى أو الإهانة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ويخلق لديها معاناة نفسية أو جنسية أو جسدية.

بالنسبة للتحرش لابد من الالتزام بالتعريف العالمي: هو أي شكل من التلميحات الجنسية غير المرحّب بها، كلما انتهك شخص ما خصوصية جسمك أو حيزك وجعلك تشعرين بالانزعاج فهذا تحرش جنسي، تختلف أنواع التحرش الجنسي ودرجاته وأماكنه ومنفذيه ولكن بإمكان جميع النساء أن يفهمن ذلك الشعور الذي يخالجنا عندما يتجاوز أحد ما خط خصوصيتنا وسلامتنا وشعورنا بالأمان (تعريف منظمة نسوية)

العقاب

في النهاية لابد من وضع مدونات سلوك تلتزم بها المؤسسة بين موظفيها والعاملين والمسؤولين بحسب القواعد العليا المذكورة، أمام الجمهور ومعاقبة العامل (صحفي أو مدقق أو فنان …الخ) أو مدير أو بأي رتبة والعمل على التحقيق السري وفضح العمل اللاأخلاقي بحسب التعاريف التي وضعتها المؤسسات في وثائقها ومدوناتها والتي التزم بها كل من صادق عليها (وهم بالتأكيد كل من يعمل بها).

اقرأ أيضاً: لا تكفي جريمة التحرش.. حتى يقال أنهن يتمنعن وهن راغبات!؟

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع