الرئيسيةشخصيات سورية

البومة المتمردة .. “غادة السمان” كاتبة الاعتراف والتعرية

الدمشقية التي نشرت رسائل عشاقها وفاءً للإبداع

سناك سوري _ محمد العمر 

تحسم الروائية السورية أمرها، ستنشر رسائل غرامية تلقتها ذات يوم من الكاتب الفلسطيني “غسان كنفاني” الذي تحوّل إلى رمزٍ مقاوم بعد أن اغتاله الاحتلال الإسرائيلي.

امرأة متزوجة ولديها ولد من زوجها، تعيش في “باريس”، لديها من الشهرة نصيبٌ وافر، لكنها تقرر نشر الرسائل، لأنها ببساطة اعتادت التمرد، كما اعتادت أن ترى الأمور بنظرة مغايرة تفاجئ أبناء جيلها وتصدمهم لكنها ستثبت صحتها بعد أجيال!.

غالباً لن تفعل امرأة أخرى ما ستفعله “غادة السمان” تلك القادمة من “دمشق” حاملة اسمَ والدها الوزير “أحمد السمان” وشهادة الأدب الإنكليزي إلى “بيروت” حيث درست في جامعتها الأمريكية وعاشت في أحيائها وحروبها ومقاهيها الثقافية.

بيروت البدايات

لمع اسم “غادة السمان” في “بيروت” الستينيات حين كتبت في صحفها وبدأت بنشر أعمالها فيها، كانت العاصمة الجارة لدمشق حينها تغصّ بالمبدعين والكتّاب العرب، فنشرت عام 1962 أولى مجموعاتها القصصية في “بيروت” بعنوان “عيناكَ قدري” فلفتت الأنظار إليها وظنّ أهل الأدب والنقد حينها أن وافدةً جديدة انضمت إلى عالم الأدب النسوي والكتابات المعنيّة بقضايا المرأة.

إلا أن مقالاتها الجريئة في مجلة “الأسبوع العربي” والتي تناولت خلالها قضايا الفقر وأحياء الصفيح في “سويسرا الشرق” سرعان ما غيّر تلك النظرة تجاهها وأظهرها ككاتبة تُعنى بالقضايا الإنسانية عموماً.

رجال في حياة غادة

كانت “بيروت” الستينيات موطناً للمقاومة الفلسطينية، في الوقت الذي سيرتبط فيه اسم “السمان” بثلاثة أسماء فلسطينية، فالشاعر والقيادي الفلسطيني الراحل “كمال ناصر” يعتبر واحداً من الأسماء المرشحة لأن تنشر “السمان” رسائله إليها، في المقابل كشف الصحفي الفلسطيني الراحل “ناصر النشاشيبي” في إحدى مقابلاته الصحفية عام 1994 أن علاقة عاطفية جمعته بـ “غادة” في الستينيات قبل أن تتزوج من “بشير الداعوق”.

اقرأ أيضاً:غادة السمان تكتب لأول أستاذة جامعية في سوريا

غسان كنفاني

أما الاسم الأبرز في حياة “السمان” فهو الكاتب الفلسطيني الراحل “غسان كنفاني” الذي كان متزوجاً في تلك الفترة، والذي تحوّل إلى أيقونة تاريخية لدى الناس حين اغتاله الاحتلال بتفجير سيارته عام 1972، ما أكسبه هالةً من القدسية والبطولة إضافة إلى ما كان قد أنجزه على مستوى الأدب والعمل السياسي مع المقاومة، إلا أن “السمان” قررت في لحظة تمرّد عام 1992 أن تكشف عن وجهه الآخر.

سنتعرّف إلى “كنفاني” العاطفي، العاشق الغارق في غرام تلك الصبية الدمشقية عبر كتاب “رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان” الصادر عن “دار الطليعة” لصاحبها “بشير الداعوق” زوج غادة في ذلك الحين!.

تزوجّت غادة من “الداعوق” عام 1969، ورأت فيه رفيق دربها المسانِد لها في رحلة الحرية والتمرد، تروي في حوار لها مع جريدة “الأخبار” اللبنانية أنها أطلعَت زوجَها على رسائل “غسان” قبل نشرها، ولأن “الداعوق” كان تنويرياً كما تصفه فقد تكفّل بنشرها في دار النشر التي يمتلكها.

تسبّبت تلك الرسائل بعواصف في الأوساط الثقافية ربما لا تزال آثارها حيّةٌ إلى الآن حيث لم يُحسَم الجدل حول حقّ “السمان” بنشر الرسائل لاسيما أنها لم تنشر في المقابل رسائلها إليه!.

واجهت “السمان” منتقديها القائلين بأنها حطمت صورة “الكاتب الثوري” بقولها إنّ «غسان ازداد روعة واكتملت برسائله صورته كإنسان، فالبطل يشبهنا جميعاً برقته وحيويته وخفقان قلبه وليس إنساناً آلياً، نحن بشر والاعتراف بهذه الحقيقة يزيد من قيمة الشهداء المبدعين».

البومة المتمردة

عشقت “السمان” البومة واتخذتها شعاراً لدار النشر التي سمّتها “دار غادة السمان” عام 1978، فيما كانت تكتب في الشعر والقصص والروايات وأدب الرحلات والمقالات الصحفية، ونالت روايتها “بيروت 75” التي ترجمت ككثير من أعمالها إلى عدة لغات، نالت جائزة “جامعة تكساس” لأحسن كتاب مترجم، وتعد روايتها “ليلة المليار” واحدةً من أفضل الروايات العربية عمقاً وإتقاناً، إضافة إلى عدد كبير من الأعمال القصصية والروائية كما أنها لا تزال تكتب في الصحافة حتى اليوم من “باريس” حيث تقيم إلى الآن.

توفي زوجها “الداعوق” عام 2007 وكانت قد أنجبت منه ابنها الوحيد “حازم”، كما أنها أعادت عام 2016 تجربة كشف المستور، ونشرت رسائل الشاعر اللبناني “أنسي الحاج” إليها، فتكرر الهجوم عليها إلا أنها لم تأبه لذلك واستمرت في الدفاع عن “أدب الاعتراف”، تلخّص رؤيتها بالقول: «لن أحرق سطراً لمبدع في حقل ما وبأي ثمن، ومحاولة تخويفي بمقالات وأسئلة عدوانية تزيدني يقيناً بصواب ما أفعل».

أصدرت “السمان” خلال العام الحالي كتاباً بعنوان “تعرية كاتبة تحت المجهر” ضمّ عدداً من الحوارات الصحفية التي أجرتها وما تحتويه من هجوم عليها ومساندة لها، وبالابتعاد عن إطلاق الأحكام على خياراتها، فإنها واحدة من أبرز الكاتبات السوريات والعربيات التي يحتفظ اسمها برونقه منذ بداية انطلاقتها حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: غادة السمان لـ: كوليت خوري: عودي فرفيقاتك القديمات مثلي يفتقدنك

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى