أولاد المتسخين/ات.. كيف تشكر الضحية من يسرقها؟

كاريكاتير علاء ديوب - سناك سوري

كيف سرقني وجعلني أشكره وأتبرع وأدعو له ؟

سناك سوري – أحد المنهوبين

اللصوص لدى الفيلسوف والكاتب “تشستر تون” “لا يحترمون الملكية الخاصة، إنهم لا يشتهون سوى أن تصبح ملكية الآخرين لهم لكي يتاح لهم احترامها أكثر”. عايشت ذاك الاحترام كثيراً في حياتي مثلكم جميعاً، عند معتمد الخبز ورئيس الجمعية الفلاحية ومحصل الضرائب وموظف البلدية وعند كثير من جيراني.

ذات مرة في مرحلة التدريب الجامعي، جلست وصديق لي متعبين على سريرين متجاورين في مهجع كبير تكدست فيه رائحة الرطوبة و الأسرّة الحديدية بعضها فوق بعض، جميع الطلاب كانوا منشغلين في يومهم الأول في ترتيب أشيائهم وحقائبهم. في حين أخذ طالب أبيض وناعم، يطوف على الأسرّة بصوت شبه باكي يبحث فيه عن بطانيته التي سُرقت أثناء انشغاله بنقل أغراضه. بدا ضعيفاً، هشاً و فقيراً، لكنه كرر أمله بدون يأس وعاد باحثاً مرة واثنتين وثلاثة.

وفي المرة الأخيرة صَعُبتْ حالته على اللص، أو لربما أراد اللص التخلص من نواحه ليرتاح قليلاً حين جلس فوق أحد الأسرّة وقد نادى على ذاك الشاب المنهوب وأخبره أنه يمتلك بطانية إضافية ولا حاجة لنواحه بعد الآن، ثم سحبها من تحته ومنحها له، حاول الشاب المنهوب دفع ثمنها له لكن الآخر رفض قبول المال، وبدل ذلك طلب منه أن يتبرع بثمنها لأحد الفقراء والدعاء له بظهر الغيب. شكره ذاك الأبله مطولاً، وقد بلغت فرحته من تلك الإنسانية حدود أذنيه.

اقرأ أيضاً: بائع الخردة.. ذهب يبحث عمن سرق سيارته فسُرقت دراجة صديقه

دحرج صديقي نحوي نظرة كئيبة و الذي كان يتابع مثلي ذاك المشهد الصادم ولسان حاله يقول (كيف تشكر الضحية من يسرقها؟!). وبلا وعي غمغم في شوارعية قائلاً: (يا ابن المتسخين). هذا كل ما قلناه دون أن نفعل شيئا لإصلاح ذاك الموقف حينها وإنقاذ أحدهم كنا شهوداً على سرقته.

للإسبان قول شعبي جميل: (ما يشفي الكبد يجعل الطحال مريضاً). ويقابله لدى السوريين قول أجمل (إن سكت المرء “انسطح” وإن تكلّم “انفضح”). وبما أننا أمة خوّافة ولا زالت تخاف من قول الحقيقة في وجه أولاد “المتسخين” ممن ينهبوننا كل يوم، تبقى الكتابة عنهم هي وسط بين نقيضين، ما بين المرض والشفاء، وما بين السكوت والكلام. هي نصل حاد بين اللصوصية والشرف.

فمنذ القديم أشخاص كثر حولنا لم يتعبوا من نهبنا، ومنذ القديم وحتى إلى ما لانهاية دائماً ما نشكر اللصوص على سرقتهم لنا وعلى ركوبهم ظهورنا. منذ القديم وهم يأخذون قمحنا غصباً من حقولنا قبل أن يجف عرقنا ثم يبيعون لنا ربطة خبزنا ونحن نشكرهم، منذ القديم وهم يسرقون بقرتنا ليبيعوا لنا حليبنا ونحن نشكرهم، منذ القديم وهم يسلبوننا أصواتنا المبحوحة و ينهبون شبابنا وعمرنا الشقي الذي مضى بلا حسبان، منذ القديم وهم يأكلون لحم أكتافنا ونحن ندفع الحساب، منذ القديم وهم يسعون لتهريبنا كبضاعة محرمة دولياً ومن ثم نشكرهم في عرض البحر على موتنا الأليم، منذ القديم و نحن من يتبرع بثمن كرامتنا في الجمعيات الخيرية على حساب شرفهم الرفيع المُتسخ.

اقرأ أيضاً: الحكومات واتباع سياسة الفئران.. الأوضاع تزداد تعقيداً

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع