أكبر شاعر في هذا العصر أودى به شعره إلى السجون!

الشاعر السوري محمد سليمان الأحمد "بدوي الجبل" _ انترنت

الشاعر والثوري والنائب والوزير والمعتقل .. “محمد سليمان الأحمد”

سناك سوري_ محمد العمر

يدخلُ الشاعرُ الشاب إلى رئيس تحرير صحيفة “ألف باء” الدمشقية في عشرينيات القرن الماضي “يوسف عيسى” محتجاً على تذييل قصيدته بغير اسمه، فيقنعه “عيسى” بأن الناس يقرأون للشعراء المعروفين وأنه ليس مشهوراً بعد، بينما سيدفعهم الاسم المستعار إلى قراءة الشعر للشعر والتساؤل عن حقيقة كاتبه!

« أنت في ديباجتك بداوة وأنت ابن الجبل» بهذه الكلمات وُلِدَ لقب “بدوي الجبل” على الشاعر السوري “محمد سليمان الأحمد” القادم من قرية “ديفة” بريف “اللاذقية” كما يروي “عزيز نصار” في كتابه “بدوي الجبل ذاكرة الأمة والوطن”.

الشاب الذي أخذ علوم اللغة والأدب عن والده، انغمس في سنٍّ مبكّرة في الشأن العام ودفعه حماسه للانضمام إلى الوفد الذي أرسله الملك “فيصل” إلى الشيخ “صالح العلي” الذي كان يقود ثورةً ضد الانتداب الفرنسي في الساحل السوري.

إلا أن الزيارة وضعت اسم “الأحمد” على القائمة السوداء لسلطات الانتداب التي بحثت عنه، لكنه خاض رحلة هروب من الاعتقال ملتجئاً بالبطريرك “غريغوريوس حداد” ثم متجهاً نحو “حماة” إلى أن استدلّ الفرنسيون عليه وألقوه في السجن.

أمضى “الأحمد” تجربة مريرة في سجون الفرنسيين الذين نقلوه بين سجن “حمص” وسجن “الديوان الحربي” في “بيروت” وانتهاءً بسجن قلعة “أرواد” حيث وشمَ الشاب الذي لم يتجاوز السادسة عشر من عمره على ذراعه “تذكار السجن الفرنساوي” إلى أن أفرج الفرنسيون عنه بعد أكثر من عام على اعتقاله تحت ضغط من وجهاء “اللاذقية”.

في المقابل لم تثنِ تجربة السجن “بدوي الجبل” عن الاستمرار في خوض المعارك ضد الانتداب فأعلن رفضه لقرارات الانتداب تقسيم “سوريا” إلى دويلات فعاد الفرنسيون إلى ملاحقته ما دفعه إلى التوجه نحو “العراق” عام 1939 وناصر فيها ثورة “رشيد عالي الكيلاني” الوطنية عام 1941 إلا أن إخفاق الثورة أعاده إلى “دمشق”.

اقرأ أيضاً:21 عاماً على رحيل رئيس جمهورية الشعر بأغلبية الأصوات!

شهد “الأحمد” جلاء الفرنسيين السوريين، وبقي منغمساً في العمل السياسي في فترة ما بعد الجلاء موظّفاً قوة خطابه الشعري في إعلان مواقفه السياسية، حيث ساعدته فصاحته وقوة تعابيره على ترسيخ اسمه كواحد من أبرز أعلام الشعر الكلاسيكي العربي في العصر الحديث.

لم يتخلّص “الأحمد” من لعنة الملاحقات الأمنية بجلاء الانتداب، فقد دفع ثمن مواقفه الرافضة للانقلابات العسكرية بأن صدر الأمر باعتقاله إلا أن محافظ “اللاذقية” في ذلك الحين “سعيد السيد” لم ينفّذ أمر الاعتقال بل نقل “الأحمد” بسيارته إلى الحدود اللبنانية لحمايته من السجن.

في الخمسينيات تولّى “الأحمد” حقائب وزارية إضافة إلى انتخابه عدة مرات في البرلمان السوري، وينقل الكاتب “إبراهيم الجبين” في صحيفة “العرب” اللندنية ( العدد الصادر في 12/4/2014) أن بدوي الجبل كسائر الشعراء العرب تأثّر بنكسة حزيران 1967 وكتب قصيدته “من وحي الهزيمة” التي قال فيها :

هزم الحاكمون و الشعب في

الأصفاد فالحكم وحده المكسورُ

هزم الحاكمون لم يحزن الشعب

عليهم ولا انتخى الجمهورُ

يستجيرون! والكريم لدى الغمرة

يلقى الردى ولا يستجيرُ!

إلا أنه بعد هذه القصيدة تعرّض للضرب والخطف على يد مجهولين!

واستمر الشعر يتدفق من قلم “بدوي الجبل” حتى توفي يوم 18 آب 1981 في “دمشق” ودفن إلى جوار والده في قرية “السلاطة” بريف “اللاذقية”.

ترك “الأحمد” إرثاً شعرياً واسعاً تركّزت نسبة واسعة من أعماله حول القضايا الوطنية والأحداث التي كانت تمرُّ بها البلاد وعايشها بنفسها وكان فاعلاً فيها يقول في إحدى قصائده داعياً إلى تحكيم العقل و الحكمة:

للعبقرية قسوة لولا الهوى

عصفت بكل عقيدة وصلاح

الدهر ملك العبقرية وحدها

لا ملك جبار ولا سفاح

والكون في أسراره و كنوزه

للفكر لا للوغى ولا لسلاح

وقد حظي “بدوي الجبل” بإعجاب الشعراء والنقاد من أبناء عصره الذين أبهرتهم موهبته الخصبة فقال عنه “نزار قباني” أنه «السيف اليماني الوحيد المعلق على جدار الشعر العربي» ووصفه الشاعر العراقي “محمد مهدي الجواهري” بأنه أكبر شاعر عرف في هذا العصر”.

اقرأ أيضاً:أنهر العراق تصب في دمشق “عاصمة المنفيين”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع