الرئيسيةرأي وتحليل

الوطنية وتأييد السلطة.. أداة فرز وإقصاء؟

معيار طاعة السلطة وحب الوطن!؟

لم تعد الوطنية في كثير من تجاربنا السياسية مفهوماً جامعاً بقدر ما أصبحت أداة للفرز والإقصاء. فبدلاً من أن تعبّر عن الانتماء الحر للوطن، تحوّلت في الخطاب العام إلى معيار ولاء، يقاس به القرب من السلطة لا الالتزام بمصلحة المجتمع.

سناك سوري-محمد ابراهيم

من حيث المبدأ، تقوم الوطنية على الارتباط بالأرض والناس والتاريخ، لكنها تفقد معناها عندما تُفرغ من بعدها الأخلاقي وتُعاد صياغتها وفق احتياجات السلطة، في هذه الحالة، لا تعود قيمة جامعة، بل مفهوماً “سائلاً” يأخذ شكل السلطة التي تحمله، ويتبدّل بتبدّلها.

وفي الواقع السياسي للمنطقة، نادراً ما استُخدمت الوطنية لبناء الدولة، وغالباً ما جرى توظيفها كغطاء لشرعنة القمع وتبرير الفشل. فباسم “المعركة الوطنية” جرى تعليق الحقوق، وباسم “المرحلة الحساسة” أُغلقت أبواب المساءلة، وباسم العدو الخارجي “والداخلي” صودرت السياسة نفسها على مدى عقود.

ما هي الهوية الوطنية الجامعة؟ وهل تكفي أنا سوري يا نيالي لبنائها؟

هذا الاستخدام السلطوي للوطنية أنتج نمطاً من الولاءات المطلقة، حيث يُطلب من الفرد أن يكون تابعاً لا مواطناً، ومصفقاً لا شريكاً. ومع الوقت، نشأت نخب سياسية وثقافية تتولى مهمة إعادة تدوير الخطاب الوطني، فتمنحه لغة منمقة، وتقدمه بوصفه حقيقة أخلاقية لا تقبل النقاش.

حين تتحول الطاعة إلى فضيلة

وفي هذا السياق، تبدو تحذيرات الفيلسوف فريدريك نيتشه شديدة الراهنية. فقد رأى أن المجتمعات حين تخضع لـ “أخلاق القطيع” تتخلى عن التفكير النقدي، وتحوّل الطاعة إلى فضيلة، وتجرّم السؤال باسم القيم العليا. عندها لا يعود الانتماء فعلاً حراً، بل واجباً مفروضاً.

الكاتب البريطاني جورج أورويل ميّز بوضوح بين الوطنية بوصفها حباً للأرض والناس، والقومية بوصفها ولاءً أعمى لسلطة تطلب من أتباعها تبرير أفعالها مهما كانت نتائجها. هذا التمييز يفسر كيف يمكن للمفهوم ذاته أن يتحول من قيمة إنسانية إلى أداة سياسية.

كلّما جرى تقديس الوطن بوصفه فكرة مجرّدة، تراجعت قيمة الإنسان بوصفه غايته الأساسية.

أما الفيلسوفة حنّة آرنت، فقد كشفت في دراساتها عن الأنظمة الشمولية أن أخطر أشكال الاستبداد لا تقوم فقط على القمع، بل على تحويل البشر العاديين إلى منفذين صامتين. حين يتوقف الفرد عن التفكير، ويستبدل ضميره بالأوامر، يصبح الشر ممارسة يومية مبرَّرة باسم الواجب أو الوطنية.

ولا يكتمل المشهد من دون فهم ما طرحه أنطونيو غرامشي حول “الهيمنة الثقافية”، حيث لا تحكم السلطة بالقوة وحدها، بل عبر السيطرة على الوعي العام، وإقناع المجتمع بأن قيمها هي القيم الوطنية الطبيعية. في هذه الحالة، يدافع المقموع عن المنظومة التي تقمعه، ظناً منه أنه يحمي الوطن.

الوطن، في جوهره، لا يحتاج إلى من يموتون باسمه، بل إلى من يعيشون فيه أحراراً.

ويُضاف إلى ذلك ما نبّه إليه إدوارد سعيد بشأن دور الخطاب في إنتاج السلطة. فالكلمات ليست بريئة، والنصوص السياسية تصنع واقعها الخاص. حين يُحتكر تعريف الوطنية، يُعاد رسم حدود المسموح والممنوع، ويُحوَّل الاختلاف إلى خيانة، والنقد إلى تهديد وجودي.

النتيجة النهائية لهذا المسار أن الوطن يتحول من مساحة مشتركة إلى رمز مقدّس، ومن عقد اجتماعي إلى صنم سياسي. وكلّما جرى تقديس الوطن بوصفه فكرة مجرّدة، تراجعت قيمة الإنسان بوصفه غايته الأساسية.

من هنا، فإن أي سلطة، مدنية كانت أم دينية، قومية أم فصائلية، تغذّي خطاب الوطنية على حساب المواطنة، وتستبدل الحقوق بالولاء، لا تبني دولة، بل تعيد إنتاج الاستبداد بصيغ مختلفة، حتى وإن رفعت شعارات جديدة.

وبناء على تجاربنا السورية وتجارب المنطقة فإن الوطنية التي تنفصل عن المواطنة لايكتب لها أن تصنع أوطاناً بل صممت لتخلق رعايا. وهي بطبيعة الحالة والتجربة لا تؤسس لاستقرار، بل لدوامات متكررة من القمع والانهيار.

إن بناء الدولة لا يبدأ من مطالبة الناس بالتضحية الدائمة، بل من ضمان حقوقهم. ولا يتحقق عبر الهتاف، بل عبر المساءلة. فحب الوطن لا يُقاس بمدى الصمت أمام السلطة، بل بالقدرة على محاسبتها ومساءلتها والمشاركة في تشكيلها وتعيينها وقراراتها..إلخ.

زر الذهاب إلى الأعلى