
مضى قرابة 11 شهراً على آخر اجتماع دوري عقدته الحكومة السورية، في غياب يطرح أسئلة حول آليات التواصل والتنسيق بين الوزراء، والشراكة في التخطيط الوطني، ولا سيما أن مجلس الوزراء يفترض أن يشكل الإطار الرئيسي لتنسيق العمل الحكومي في مرحلة تتقاطع فيها مهام الوزارات وتحتاج فيها البلاد إلى قرارات وخطط مشتركة.
سناك سوري – بلال سليطين
عقد آخر اجتماع للحكومة السورية في 12 تشرين الأول 2025، وقد شارك فيه الوزراء ورؤساء الهيئات العامة والمحافظون، واختتم الاجتماع بالتأكيد على أهمية تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة.
الاجتماع الأخير حمل صفة الموسع وليس الدوري، بينما كان آخر اجتماع دوري في أيار 2025، وقد وصفته وكالة سانا بشكل رسمي بأنه “اجتماع دوري”، وكان قد سبقه أول اجتماع للحكومة في نيسان من العام نفسه، ما يعني أن الحكومة السورية منذ تشكيلها في آذار من العام الماضي حتى بداية أيلول 2026 اجتمعت بالمجمل 3 اجتماعات، بينها اجتماعين دوريين فقط.
خلال الفترة ما بين آخر اجتماع للحكومة واليوم، انضم وزيران للحكومة السورية توليّا حقيبتي الزراعة والإعلام قبل 4 أشهر، ومنذ تعيينهما حتى اليوم لم تشهد الحكومة السورية أي اجتماع، ما يطرح أسئلة حول مشاركتهما الحكومة خطتهما كوزيرين، أو مشاركة الحكومة لهما خططها؟.
لا تمتلك الحكومة السورية منصة رسمية للتعبير عنها أو باسمها، وقد تحولت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية إلى منبر لمجلس الوزراء السوري، ومنذ تعيين عبد الرحمن الأعمى أميناً عاماً نشرت الصفحة 3 منشورات فقط.
كيف ينسق الوزراء مع بعضهم؟
لم تصدر الحكومة السورية منذ تعيينها بياناً وزارياً يوضح خططها ومشاريعها، كما لم تحضر الحكومة إلى قبة البرلمان المشكل حديثاً لتشارك النواب خطتها ومشاريعها والتزاماتها التي تتعهد بها للمواطنين، وقد اقتصرت المعلومات عن الوزارات على جمل وكلمات قصيرة قالها الوزراء عند تكليفهم، وهي لا تعد خطط عمل للحكومة مجتمعة ولا مراجع لعمل الوزارات بشكل مستقل.
وإذا تتبعنا ما نشر عن اجتماعات الحكومة الثلاث التي عقدت، فإننا لا نجد فيها أي معلومة عن وضع محددات لعمل الحكومة وتنسيق وزرائها مع بعضهم البعض لتحقيق خطط مشتركة، علماً أن بعض الوزارات أعلنت عن خطط وأهداف، لكن يبقى هناك عمل حكومي مشترك وأساسي يأتي ضمن هدف وطني جماعي يوضع بالتشاور والتنسيق، وهذا ما لا يبدو أنه يحدث حتى الآن.
هل تكفي الاجتماعات الثنائية؟
من خلال تتبع الأدوار خلال المرحلة الماضية، فإن الأمين العام لرئاسة الجمهورية ومعاونه يناط بهما الدور التنسيقي لمجلس الوزراء الذي يترأسه رئيس الجمهورية، ويظهر من خلال الاجتماعات التي يعقدانها مع الوزراء أنهما مكلفان بمهام معينة ترتقي لتكون مهام تسيير أعمال مجلس الوزراء ومعاونه.
ومنذ تعيينه في شهر أيار 2026 عقد الأمين العام لرئاسة الجمهورية “عبد الرحمن الأعمى” اجتماعاً علنياً واحداً مع لجنة مكافحة المخدرات شاركت فيه 4 وزارات، وقبله عقد معاون الأمين العام “علي كدة” 3 اجتماعات تخصصية ضمت وزراء لمناقشة تحضيرات معرض دمشق الدولي أو النقل أو اجتماع صندوق التنمية الذي شاركت فيه أيضاً عدة وزارات، يضاف إلى ذلك أن “كدة” أجرى عدة جولات تفقدية واجتماعات بصفته المعاون المعني بشؤون مجلس الوزراء، لكن جميعها توقفت أو توقف الإعلان عنها بعد تعيين “الأعمى” أميناً عاماً للرئاسة.
ولا تمتلك الحكومة السورية منصة رسمية للتعبير عنها أو باسمها، وقد تحولت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية إلى منبر لمجلس الوزراء السوري، وكانت في بداية تشكيلة الحكومة وحتى نهاية عام 2025 نشيطة لناحية النشر ومشاركة الأنشطة، وبدأ يتراجع نشاطها دورياً عام 2026 حتى تعيين أمين عام جديد، ومن بعده اقتصرت منشوراتها على 3 منشورات فقط.
واجتماعات مجلس الوزراء أداة رئيسية للتواصل بين الحكومة والمواطنين، إذ يفترض أن يعرف الناس ماذا ناقشت حكومتهم، وما القرارات التي اتخذتها، وما المشاريع التي تعمل عليها، وما الذي أنجزته من وعودها السابقة.
بالمقابل يلتقي وزراء بشكل ثنائي بين الحين والآخر ويبحثون سبل التعاون والتنسيق المشترك وفق ما تقول البيانات التي تصدر عقب هذه الاجتماعات، التي يبدو أن الوزراء قد اضطروا لعقدها نظراً لغياب الإطار التنسيقي في مجلس الوزراء وانقطاع الاجتماعات.
والاجتماعات الثنائية قد تكون مفيدة كإطار مكمل للاجتماع الدوري لمجلس الوزراء، لكنها لا تحل محلها ولا يمكنها أن تعوض عنها لأنها تبقى ثنائية ولا تعبر عن الإطار الحكومي والتخطيط الوطني.
مجلس الوزراء في سوريا: التواصل المقطوع بين المواطن والحكومة!
لماذا يجب أن تجتمع الحكومة؟
اجتماع مجلس الوزراء مساحة عمل يفترض أن يلتقي فيها الوزراء بشكل دوري لمناقشة ما أنجزوه من خططهم وما تعثر منها، ومراجعة الأولويات الحكومية واتخاذ قرارات مشتركة حول الملفات التي تتقاطع فيها مسؤوليات أكثر من وزارة.
فالخطة التي تضعها وزارة ما قد تحتاج في تنفيذها إلى وزارة أخرى، ومشروع وزارة النقل مثلاً يرتبط بالمالية والاقتصاد والإدارة المحلية، وقرارات الزراعة ترتبط بالمياه والاقتصاد والتجارة والطاقة، وكذلك الحال مع غالبية الملفات الكبرى التي لا تستطيع وزارة واحدة إدارتها بمعزل عن بقية الحكومة.
ومن هنا تأتي أهمية الاجتماع الدوري كمساحة للتنسيق بين الوزراء وتكامل المشاريع والخطط، ولعرض المشكلات التي تواجه كل وزارة ومناقشتها جماعياً، إضافة لمراجعة ما اتفق عليه في الاجتماع السابق ومعرفة أين وصل التنفيذ ومن تأخر ولماذا، وإجراء تقييم دوري يسمح بتعديل الخطط بدلاً من انتظار نهاية العام أو انتهاء المشروع لاكتشاف مشكلاته.
الحكومة أيضاً بحاجة لأن تتحدث
واجتماعات مجلس الوزراء أداة رئيسية للتواصل بين الحكومة والمواطنين، إذ يفترض أن يعرف الناس ماذا ناقشت حكومتهم، وما القرارات التي اتخذتها، وما المشاريع التي تعمل عليها، وما الذي أنجزته من وعودها السابقة.
ومن الممكن أن يعقب الاجتماع الحكومي الدوري مؤتمر صحفي أو إحاطة إعلامية تجيب فيها الحكومة على أسئلة الصحفيين وتشرح قراراتها وخططها، وبذلك يصبح الاجتماع موعداً دورياً يعرف المواطن من خلاله ماذا تفعل السلطة التنفيذية التي تدير شؤونه وتنفق المال العام وتصدر القرارات التي تؤثر في حياته.
وهذه الممارسة ليست غريبة عن عمل الحكومات في دول أخرى. ففي فرنسا وألمانيا تجتمع الحكومة بشكل شبه أسبوعي ودوري، وتعقد مؤتمرات صحفية وتصدر بيانات وإحاطات، وفي تركيا القريبة من سوريا تعقد الاجتماعات كل أسبوعين تقريباً، ويتبعها عقد مؤتمر صحفي للرئيس أو بعض الوزراء لشرح النقاشات والقرارات والتوجهات.
ماذا يفعل غياب الاجتماع؟
في سوريا لا يتعلق الأمر إذاً بضرورة عقد اجتماع من أجل الاجتماع، وإنما بغياب واحدة من أهم المساحات التي يمكن من خلالها إظهار الحكومة كفريق واحد له خطة واحدة وأهداف مشتركة، ويجتمع بصورة دورية لمراجعتها ومتابعة تنفيذها.
وعندما يعمل كل وزير بشكل منفصل ويظهر كل منهم للجمهور من خلال أخبار وزارته واجتماعاته ومشاريعه الخاصة، بينما لا تظهر الحكومة مجتمعة إلا نادراً، يصبح من الصعب على المواطن أن يرى الصورة الكاملة للعمل الحكومي أو أن يعرف ما هي أولويات الدولة وماذا أنجزت منها وماذا تعثر، ومن يتحمل مسؤولية التأخير.
وتزداد المشكلة مع غياب المعلومات الدورية عن عمل الحكومة، فلا بيان حكومي دوري ولا مؤتمر صحفي يعقب اجتماع مجلس الوزراء ولا منصة واضحة يتوجه إليها المواطن والصحفي لمعرفة ماذا تفعل الحكومة ككل، وليس ماذا تفعل كل وزارة على حدة، ولا حتى جريدة رسمية تنشر معلومات أو بيانات ذات قيمة معرفية.
وبعد قرابة 11 شهراً من آخر اجتماع حكومي موسع معلن، وأكثر من عام على آخر اجتماع وصف رسمياً بأنه دوري، يصبح السؤال أبعد من موعد الاجتماع المقبل: هل هناك آلية دورية لمراجعة عمل الحكومة وخططها وتقييم تنفيذها؟ وكيف يجري التنسيق بين الوزراء؟ وأين تعرض الحكومة إنجازاتها وإخفاقاتها؟ ومن يجيب المواطنين عن الأسئلة المتعلقة بعمل الحكومة مجتمعة؟.








