عن المسؤول الذي نريده لا الذي عرفناه
عن العمل والكرامة وإدارة لا تبدأ من فوق الناس
قبل عدة أعوام وقف المسؤول مزهواً بنفسه ينظر إلينا كرعاع ولدنا لنخدم “سيادته”، وإذا ما قصرنا يقول بقرف: “يلي مو عاجبوا راتبو يستقيل“، لم أستقل، لكن منذ ذلك الوقت في داخلي شغف مات بسبب “سيادة فخامته”، فمضيت كنصف موظفة بربع راتب!.
سناك سوري-رحاب تامر
مع سقوط النظام ولد داخلي شعور عميق بالإنصاف والعدالة، أيضاً الأمل، الأمل بالتعرف على نموذج جديد من المسؤولين، أولئك الذين ثاروا ضد الظلم لابد أنهم سيرفضون إنتاج ذات المظاهر!.
نموذج المسؤول الذي نحلم به هو ذلك الذي لا يقاس بعدد السيارات التي تسبقه، ولا بحجم التعطيل الذي يرافق مروره.
المطلوب مسؤول يصل إلى مكتبه كما يصل أي موظف آخر، أن يجلس خلف طاولة عادية وسط غرفة تشبه غرفنا بدون تدفئة، نريده مسؤولاً مدرك بأن القيمة لا تصنع بالاستعراض إنما بالأثر.
مسؤول يعقد اجتماعاً أسبوعياً تخطيطياً مع فريقه، لا ليلقي التعليمات والأوامر هذا نموذج خبرناه و”دمر شغفنا”، بل للاستماع، ومناقشة الأولويات، وتقييم ما أنجز وما تعثر والبحث معنا في كيفية الإصلاح.
مسؤول يمارس العصف الذهني معنا لتطوير الأفكار وآليات العمل، لا يختطف الإنجاز عند النجاح، ولا يختفي عند الفشل ويحملنا مسؤوليته.
مسؤول يقدم تقريراً دورياً عن عمله، كما يطلب منا ويخضع للمساءلة المؤسسية لا أن يبقى خارج التقييم والمساءلة فقط لأنه “مسؤول”.
لا أبحث عن مسؤول يتناول الفلافل على الرصيف، ولا آخر يصبح تريند لمجرد أنه وقف في طابور داخل المطار، بل عن مسؤول يؤمن بالتشاركية، لا يذهب فيرى موظفة تضع مساحيق التجميل فلا يعجبه الأمر، وفي اليوم التالي يقرر “ممنوع المكياج“، ولا عن مسؤول يبحث عن مخرج قانوني لفصل المزيد من الموظفين والموظفات، أو يضغط عليهم لتقديم استقالة.
نريده مسؤولاً يعرف معنى آخر الشهر، ويفهم أن تحسين بيئة العمل ليس “منّة”، بل ضرورة للإنتاج، مسؤول لا يهدد حين نقول “نشعر بالظلم”، بل يخبرنا أن هذا حق مشروع، وأن التعبير عنه ليس جريمة.
عن مسؤول لا يجلس داخل غرفة مكتبية أنيقة، بينما أجلس فوق كرسي أخشى أن أتحرك عليه حركة خاطئة فيقع بي وأكون مضطرة لتسديد ثمنه للدولة.
مسؤول بمكان واحد، وليس كالأخطبوط يمتلك عدة مناصب بحيث لا يجد متسعاً لسماعنا نحن الموظفين، ويصبح التواصل معه ضرباً من ضروب المستحيل.
وأخيراً، ما نريده مسؤول لا يحتكر الوطنية، ولا يفسر النقد بوصفه استهدافاً لوحدة البلاد، لا أريد إدارة أفلاطونية بل طبيعية، تسمع، تشارك، تخطئ وتصحح، وتدرك أن المنصب وظيفة مؤقتة، وإن بدا هذا كثيراً جداً، فربما لأن الواقع اعتاد على أقل من الحد الأدنى.