أخر الأخبارالرئيسيةشباب ومجتمع

“ما كان لازم أخلق بنت”: عندما تتمنى الفتاة أن تكون صبيَّا بسبب شعر جسدها

من طبيبة تتاجر بمشاعر مراهقة في سرفيس إلى أم حائرة بين الخوف على نفسية ابنتها وإدمانها الحلول التجميلية

يُقدَّم الشعر الزائد عند الفتيات غالبًا كمسألة تجميلية، تفصيل يمكن حله بطريقة أو أخرى، لكن الواقع اليومي يوضح أن الأمر أبعد من الشكل.

سناك سوري-زينب سليمان

يتحوّل الشعر الزائد في سن مبكرة إلى عامل ضغط مستمر، يؤثر على سلوك الفتاة، وطريقة لباسها، وعلاقتها بجسدها، ويعيد رسم حدود تفاعلها في المدرسة والشارع والفضاء العام. هذا الضغط النفسي يظهر بوضوح داخل جدران المدرسة. التجارب اليومية للطالبات تكشف حجم التأثير المباشر.

حنين، في الصف السادس، تتذكر كلمات زملائها عن شكل حواجبها: «كانوا يقولون لي حواجبك متل الأوتوستراد، ليش مافي فاصل بيناتن؟»، الكلمات التي قد تبدو مزحة صغيرة تتكرر يوميًا، وتترسخ في الذاكرة، ما يجعل الجسد مساحة مراقبة دائمة.

في الصف السابع بإحدى مدارس اللاذقية، تضيف نغم، 13 عاماً بعداً آخر للضغط وتقول لـ”سناك سوري”: «كل رحلة مدرسية أو نشاط جماعي يبدأ بسؤال واحد: ماذا سترتدي؟ “ما بدي البس فستان، منشان ما يطلعوا فيّي ويضحكوا”». تعليق مثل “ليش طالعلك شوارب مثل الصبيان؟” يترك أثرًا طويل الأمد، ويحوّل الشعرة نفسها إلى سبب للانسحاب والتوتر الاجتماعي.

كانوا يقولولي حواجبك متل الأوتوستراد، ليش مافي فاصل بيناتن؟ حنين 11 عام

حين يتحول الضعف إلى فرصة تجارية

هذا التأثير لا يقتصر على المدرسة. في الأماكن العامة، يمكن أن يتحوّل إلى إحراج مباشر. مروة، 18 عاماً، تحكي لـ”سناك سوري”، حادثة في وسيلة نقل عامة حين بادرتها طبيبة للتعريف عن نفسها، ثم بدأت بالحديث عن شعر وجهها، وعرضت خدمات مركزها التجميلي. تقول مروة: «وقفت قدام الشباب بالسرفيس خجلانة. تاجرت بمشاعري لتخليني زبونة». التنمّر هنا يتخذ شكل استغلال مباشر للضعف، ويحوّل الإحراج إلى فرصة تجارية.

الضغط اليومي يتعزز على منصات التواصل الاجتماعي. ريلزات وإعلانات مصممة بعناية تظهر أشخاصاً يتحدثون عن تفاصيل حياتهم اليومية أو قضايا عامة، بينما تبقى أجسادهم المصقولة العنصر الأكثر حضورًا. مع كل تصفح، تمر صور لأجساد مشدودة، بشرة بلا عيوب، وحواجب مرسومة بدقة. وتبدأ الأسئلة تظهر تلقائياً: لماذا يبدو الآخرون هكذا؟ وهل يمكن الوصول إلى هذا الشكل؟ مع كل مقارنة، يتراجع الإحساس بالرضا خطوة إضافية.

تعليق مثل “ليش طالعلك شوارب مثل الصبيان؟” يترك أثرًا طويل الأمد، ويحوّل الشعرة نفسها إلى سبب للانسحاب والتوتر الاجتماعي

هذا النوع من الضغط لا يساعد الفتيات على تقبّل أجسادهن، بل يعمّق شعور النقص. المقارنة المستمرة، خاصة في سن المراهقة، توضع الفتاة في مواجهة نموذج غير واقعي، وتدفعها للتعامل مع جسدها كشيء يحتاج تصحيح دائم، بدل أن يكون مساحة طبيعية للعيش.

الأثر النفسي: القلق وكره الجسد

تشرح الأخصائية النفسية “حنان عبد اللطيف” حجم الضرر، وتقول لـ”سناك سوري”: «التنمّر الجسدي، وخصوصا في سنّ المراهقة الحساسة، قد يصيب الفتاة بالقلق والاكتئاب والعزلة، وقد يؤدي في كثير من الأحيان إلى كره الجسد وفقدان الثقة بالنفس والانتحار».

في هذا المناخ تبدأ رحلة إزالة الشعر عند كثيرات. “سمر” كانت في الخامسة عشرة عندما بدأت محاولتها الأولى للتكيف مع ما يُنظر إليه على أنه “طبيعي”. شعر جسدها الكثيف كان مصدر قلق دائم، فاختارت الطريقة الأكثر شيوعاً: السكر.

كنت قول على طول: ما كان لازم أخلق بنت… وكان لازم أخلق صبي سمر 15 عام

كانت ترى أن الألم الجسدي، مهما كان قاسياً، أهون من ثقل الإحراج والمقارنة. لم تكن الجلسات مجرد إجراء روتيني، بل تجربة مشحونة. مع كل مرة، كان الألم الجسدي يتداخل مع شعور أعمق بعدم الرضا عن الذات.

تقول سمر إنها كانت تقارن نفسها باستمرار بصديقاتها وبأختها. «كنت قول على طول: ما كان لازم أخلق بنت… وكان لازم أخلق صبي».

هذه الجملة تختصر حجم الضغط الداخلي الذي كانت تعيشه. لم تكن إزالة الشعر هدفًا بحد ذاتها، بل محاولة لتهدئة شعور دائم بأن جسدها خارج المقبول. مع الوقت، لم تعد هذه المحاولات كافية. بعد تجارب متكررة مع السكر، اتجهت سمر إلى الليزر، باعتباره “الحل السريع”.

تابعت إعلانات مراكز التجميل، وصدّقت الوعود بثقة طويلة الأمد. تنقلت بين المناطق لإجراء الجلسات، منتظرة نتيجة حاسمة. لكن الواقع جاء مختلفًا. الشعر لم يختفِ كما توقعت. هنا يتغير مسار القصة من مسألة تجميلية إلى سؤال طبي.

قبل التفكير بأي حلول لإزالة الشعر، يجب التأكد من عدم وجود سبب صحي، ومعالجة السبب الرئيسي في حال وُجد طبيبة الجلدية نورا ناصر

متى يصبح الشعر الزائد عارضاً صحياً؟

توضح طبيبة الجلدية نورا ناصر لـ”سناك سوري”، أن التعامل مع الشعر الزائد كقضية شكل فقط قد يؤدي إلى تجاهل أسباب أساسية. «قبل التفكير بأي حلول لإزالة الشعر، يجب التأكد من عدم وجود سبب صحي، ومعالجة السبب الرئيسي في حال وُجد»، تقول. في حالات كثيرة، يكون الشعر الكثيف مرتبطًا بتغيرات هرمونية طبيعية في سن المراهقة، أو بحالات صحية تحتاج تشخيصًا ومتابعة، لا مجرد جلسات تجميل.

مع مرور الوقت، تتحول إزالة الشعر من خيار شخصي إلى سلوك مراقبة. تفحص مستمر للساقين، والإبطين، والوجه، والمناطق المخفية. القلق لا يرتبط بوجود الشعر بحد ذاته، بل بلحظة انكشافه. الجسد يفقد عفويته، ويصبح مساحة تفتيش ذاتي دائم.

الشعر الزائد في التاريخ: معايير متغيّرة لا حقيقة ثابتة

تاريخياً، لم تكن إزالة الشعر قاعدة ثابتة. تشير الباحثة فيكتوريا شيرو في موسوعتها عن الشعر، إلى أن دلالاته تغيّرت عبر العصور. في مصر القديمة، ارتبط شعر جسد المرأة بالجمال والخصوبة. في اليونان، اقتصرت إزالته على الطبقات الغنية بوصفه علامة مكانة اجتماعية.

في أوروبا الحديثة، ومع صعود الحركات النسوية، تحول شعر الجسد إلى موقف ورسالة سياسية. هذا التاريخ يوضح أن ما يُنظر إليه اليوم كمعيار جمالي هو نتاج سياق اجتماعي متغير، لا حقيقة ثابتة.

التنمّر الجسدي، وخصوصا في سنّ المراهقة الحساسة، قد يصيب الفتاة بالقلق والاكتئاب والعزلة، وقد يؤدي في كثير من الأحيان إلى كره الجسد وفقدان الثقة بالنفس والانتحار حنان عبد اللطيف – أخصائية نفسية

 

في المحصلة، قضية الشعر الزائد عند الفتيات لا تنفصل عن منظومة أوسع من التنمّر، والصور المثالية، والضغط النفسي، وأحيانًا الإهمال الصحي.

بين المدرسة والشارع والسوشيال ميديا والعيادات، تتشكل علاقة معقّدة بالجسد تبدأ مبكراً، وتحتاج إلى
مقاربة أوسع تعترف بالأثر النفسي، وتفصل بين الجمالي والطبي، وتمنح الفتيات مساحة أمان بدل دفعهن الدائم إلى الإزالة والمراقبة.

هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.

زر الذهاب إلى الأعلى