سوريا بعد الاقتصاد الحر… تحسين معيشة المواطن أم تجويعه؟
اقتصاد السوق يجب أن يخدم الناس لا أن يجوعهم
يدفع الشارع السوري ثمن قرار السلطة السورية الانتقالية بالتحول السريع إلى “الاقتصاد الحر” وفتح الأسواق أمام حرية التجارة والتسعير وانسحاب “الدولة” من التدخل في السوق سواءً عبر دعم السلع الأساسية أو تحديد سقوف سعرية للبضائع.
سناك سوري _ محمد العمر
وبينما كان النظام السابق يدَّعي أنه “اشتراكي” تطبيقاً لشعارات حزب “البعث”، إلا أن سياساته الاقتصادية على أرض الواقع كانت أبعد ما تكون عن الاشتراكية الحقيقية، وقد أعلن ذلك بشكل صريح منذ العام 2005 على الأقل، حين تبنّى ما سمّاه بـ”اقتصاد السوق الاجتماعي”.
ومنذ ذلك الحين، بدأ النظام يخفف من “مظاهر الاشتراكية” تدريجياً عبر رفع سعر المحروقات، وبداية الحديث عن تحمّل الدولة أعباءً كبيرة لتكاليف إنتاج المشتقات النفطية، مقابل بيعها للمواطنين بأسعار منخفضة “مدعومة”، ما يخلق عجزاً في ميزانيتها باستمرار، فيما سارع النظام لإعطاء مجال واسع لعمل القطاع الخاص في مختلف المجالات، لكنه لم يكن يؤسس بذلك لاقتصاد حر حقيقي، بل لاقتصاد “محسوبيات” يقوده المقرّبون منه ويعتمد في أساسه على الرشاوى وتقاسم حصص النهب لتوزيع الكعكة على أصحاب النفوذ دون تكافؤ في الفرص بين الشركات كما هو الحال في الاقتصاد الحر.
الاقتصاد السوري 2025 .. تحرّر من العقوبات واشتراكية البعث بانتظار اختبار الحوكمة
في الأثناء، كانت معاناة السوريين من سياسات النظام الاقتصادية وغياب القوانين على حساب تحقيق مصالح أصحاب النفوذ والمقرّبين من النظام، تشكّل دافعاً لنسبة واسعة لتعلن عداءها لـ”الاشتراكية”، على اعتبارها أنها سمة من سمات النظام، إضافة إلى أن تغوّل النظام في سنواته الأخيرة على التجار والصناعيين وأصحاب الأعمال من أكبر مصنع إلى أصغر بسطة في الشارع، عبر فرض الأتاوات والترهيب والاعتقال وغيرها من الانتهاكات، دفع النسبة الأوسع للمناداة بتحرير السوق والتخلّص من تسلّط النظام على حرية العمل في البلاد.
الاقتصاد الحر بعد سقوط النظام
بعد هروب “بشار الأسد” يوم 8 كانون الأول 2024، وصلت السلطة الجديدة إلى سدّة الحكم وحملت معها توجهاتها الجديدة التي تناقض في معظمها ما كان يتبعه النظام السابق، بما في ذلك إعلانها تبنّي “الاقتصاد الحر” كسياسة معتمدة لإدارة اقتصاد البلاد.
وسارعت الحكومة الانتقالية لاتخاذ قرارات مفصلية في هذا الشأن، وفي مقدمتها الرفع الكلي للدعم سواءً عن الخبز أو المشتقات النفطية وغيرها، بالإضافة إلى التخفيض الواسع للرسوم الجمركية على السلع المستوردة بمختلف أصنافها.
ديروان: يقيني أن سوريا الحرة ستغدو مضرب مثل بالحرية الاقتصادية وجذب الاستثمارات
وبينما بدأت المحروقات بالتوافر بشكل كبير وغير محدّد الكمية لكل شخص كما كان الحال في عهد النظام السابق والبطاقة الذكية، فقد تم توحيد أسعارها التي تساوي أضعاف ما كان عليه السعر “المدعوم”، وباتت المعادلة تقول تقريباً إما سعر مدعوم وأزمة في توفير المحروقات، وإما توافر لا محدود مقابل سعر مرتفع، وإما خبز سيء التصنيع بسعر رخيص أو خبز جيد بسعر مرتفع.
الغطاء الشعبي لخيارات السلطة
تعدّ السياسات الاقتصادية عاملاً أساسياً في التنافس بين الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية، حيث تنقسم أصوات الناخبين بين مرشحي الأحزاب بحسب وعودهم وبرامجهم خاصة في المجال الاقتصادي، فغالباً ما يعطي العمال ومحدودي الدخل أصواتهم لأحزاب يسارية تعِد بسياسات العدالة الاجتماعية والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي مثلاً، فيما يضع أصحاب رؤوس الأموال ثقلهم لتأييد الأحزاب اليمينية التي تنادي بحرية التجارة والمنافسة وفتح السوق أمام الفرص وإزالة أي عوائق أمام حركة الاستيراد والتصدير.
خبير اقتصادي يحذّر من خطورة رفع الدعم عن الخبز .. قد يُشعِل الشارع
أما في الحالة السورية، فإن الشارع الذي دفع ثمن خيار “الاقتصاد الحر” الذي تبنّته السلطة الجديدة، لم يشارك في اتخاذ هذا الخيار ولم يحظَ أصلاً بفرصة الانتخاب على أساس البرامج والطروحات، في وقتٍ لا تسمح فيه ظروف المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات ومنح فرصة للمواطنين لاختيار هادئ لمن يمثّل مصالحهم، لكنها في المقابل تفترض أن السلطة الانتقالية لا تمتلك صلاحية تحديد هوية البلاد الاقتصادية طويلة الأمد دون رجوع إلى الشارع وتأمين غطاء شعبي يمنحها من الشرعية ما يكفي لاتخاذ مثل هذا القرار.
فبينما رحّب كثيرون في بداية الأمر بسياسة “السوق المفتوح” حين بدأت الأسواق تغرق بالبضائع المستوردة بعد طول انقطاع، ونال أصحاب الأعمال حرية لم يعهدوها تحت حكم نظام الأسد، في تجارتهم ونقل بضائعهم دون قيود وإتاوات وترفيق، فقد بدأ الجانب السلبي لهذا القرار يظهر تدريجياً، تحت وطأة اجتياح الغلاء لكافة أصناف السلع بدءاً من الغذاء إلى الدواء، وصولاً إلى رفع سعر الكهرباء، وتحرير أسعار المحروقات التي باتت مرتبطة بسعر الصرف، في وقتٍ بقيت فيه القدرة الشرائية للمواطن السوري عاجزة عن مجاراة هذه الأسعار.
فتح الاستيراد ضرب الاقتصاد السوري
سيكون لافتاً أن الأصوات المعترضة على طريقة فتح الأسواق بشكل متسرّع لم تأتِ فقط من أحزاب وقوى يسارية، بل وصل الأمر إلى أن رئيس الحزب الليبرالي السوري “بسام القوتلي” والذي يظهر توجهه من اسم الحزب، أبدى اعتراضه على الطريقة التي تمّ فيها الأمر.
وقال “القوتلي” في حديثه لـ سناك سوري أن فتح الاستيراد بشكل كامل ضرب الطبقة الاقتصادية السورية، مضيفاً أن الحزب الليبرالي يؤيد تحرير السوق وتحرير الأسعار، على أن يتم ذلك بشكل تدريجي، مشيراً إلى أنه لا يمكن نقل المجتمع من “اشتراكية هجينة” وتسلّط المتنفذّين والفساد، إلى نظام اقتصادي مفتوح وتحرير للأسعار والجمارك وغيرها، موضحاً أن الحزب الليبرالي يسعى لقيام هذا النظام الاقتصادي الحر، ولكن ليس بيوم وليلة حيث يحتاج إلى وقتٍ كافٍ في ظل معاناة المجتمع من الجوع الفعلي، مبيناً أن إيمان حزبه باقتصاد السوق ينبع من أنه يخدم الناس ومستقبلهم لا أن يسفر عن تجويع الناس وفق حديثه.
غياب الموازنة يفتح الأبواب أمام الفساد؟ .. كيف اعتمدت موازنة حكومة عرنوس بعد سقوط الأسد؟
من جانبٍ آخر، فإن تبنّي سياسة “السوق المفتوح” والاقتصاد الحر، لا يعني بطبيعة الحال تخلّي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية تجاه شعبها، وهو ما يحصل في قلاع الليبرالية والرأسمالية بدءاً من الولايات المتحدة وصولاً إلى أوروبا، حيث لا تزال “الدولة” مصدراً لبناء شبكات الضمان الاجتماعي وتوفير الرعاية الصحية وحتى رواتب البطالة، لأنها -مهما كانت رأسمالية- تحمل مسؤولية حماية مواطنيها من الجوع والعوَز والعجز عن توفير أدنى مقومات الحياة.
يذكر أن المادة 11 من الإعلان الدستوري التي عرّفت الهوية الاقتصادية للبلاد تقول أن الاقتصاد الوطني يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية الشاملة وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطنين، وأن الاقتصاد الوطني يقوم على مبدأ المنافسة الحرة العادلة ومنع الاحتكار.








