سوبر هيرو ماما.. كيف يتحول العمل من المنزل إلى عبء مضاعف على المرأة؟
هبة: لو عندي تغطية صحفية وزوجي بالبيت ما المانع يساعدني؟
يبدو العمل من المنزل، للوهلة الأولى، امتيازاً ذهبياً للنساء، خصوصاً الأمهات، لا مواصلات، لا دوام طويل خارج البيت، قدرة أكبر على مراقبة الأطفال، وإمكانية “المناورة” بين العمل والأسرة، لكن خلف هذه الصورة الوردية، تعيش كثير من النساء تجربة أكثر تعقيداً، حيث يتحول البيت إلى مكتب دائم، والعمل إلى مهمة إضافية فوق رزمة طويلة من الأعمال المنزلية غير المعترف بها أصلاً.
سناك سوري-رحاب تامر
هبة، صحفية دمشقية تعمل عن بعد، تقول لـ”سناك سوري”: «يظن البعض أن العمل أونلاين أسهل وأخف، لكن الحقيقة أن الأعمال تتداخل بشكل مرهق. أحياناً يُطلب مني إنجاز مادة عاجلة بالتزامن مع امتحان الأولاد أو زيارة عائلية، فجأة تجدين نفسك في سباق مع الزمن، لا تريدين التقصير لا في الشغل ولا في البيت».
تصف “هبة” حالتها بأنها أشبه بـ”سوبر هيرو ماما”، تحاول إنجاز كل شيء دفعة واحدة، لكنها تدفع الثمن نفسياً: «بتصير المرأة معصّبة، مضطربة، ضميرها يؤنبها دائماً هل أنجزت المادة جيداً؟ هل قصرت مع أولادي؟ ماذا سيقول المدير؟».
ومع الوقت، يتحول العمل من المنزل إلى عزلة اجتماعية، لا وقت للخروج، لا وقت للأصدقاء، وحتى أوقات الفراغ تستنزف في “المتراكمات”.

العمل.. لكن بلا اعتراف
إحدى المشكلات الأساسية، كما تقول ناديا، صحفية من ريف دمشق، أن البيئة المحيطة لا تعترف بالعمل أونلاين كدوام حقيقي: «كان يصير خروقات وزيارات، كأنو أنا فاضية، مع أني محررة وعندي ساعات عمل يومية».
وترى أن تعلُّق الأطفال بالأم، خصوصاً في سن ما قبل المدرسة، يؤثر مباشرة على إنتاجيتها، وكذلك مرض الطفل الذي يعطل عملياً دوام الأم حتى لو كانت في البيت.
هبة: أحياناً يطلب مني إنجاز مادة عاجلة بالتزامن مع امتحان الأولاد أو زيارة عائلية فجأة تجدين نفسك في سباق مع الزمن، لا تريدين التقصير لا في الشغل ولا في البيت
أما داخل المنزل، فالدعم الزوجي ليس ثابتاً دائماً، في بداية تجربتها، كان زوج ناديا متعاوناً، يتحمّل التقصير في بعض الأعمال، لكن هذا التعاون لم يكن مستقراً: «مرات يكون متعاون، ومرات محاسب وغير متغافل، وهاد يسبب ضغط نفسي كبير. وفي لحظة تعب حقيقي، ممكن المرأة تترك الشغل كله».
ناديا نفسها وصلت إلى هذه المرحلة، وتركت العمل فترة بسبب تدهور صحتها النفسية: «طاقتي خلصت. اخترت البيت وتركت ضغوطات العمل. مو بسهولة، بس ما عاد أتحمل».
الزوج الغائب.. ولو كان موجوداً
تجمع الشهادتين على أن المشكلة ليست فقط في ضغط العمل، بل في غياب المشاركة الحقيقية من الزوج في المسؤوليات المنزلية، أو اعتبار هذه المشاركة “مساعدة” وليست واجباً.
هبة تقول بوضوح: «لو عندي تغطية صحفية وزوجي بالبيت، ما المانع يساعدني؟ هذا لا ينقص من رجوليته مشكلتنا في تنميط المهام الطبخ والبيت للمرأة، والعمل للرجل وهذا تصنيف غير صحيح».
وترى أن المجتمع يمارس ضغطاً إضافياً عبر خطاب أخلاقي دائم: “ليش تشتغلي؟ بيتك وأولادك أولى، صحتك عم تتراجع”، بينما يتم تجاهل الأسباب التي تدفع المرأة للعمل، سواء كانت مادية أو تتعلق بتحقيق الذات والاستقلال.
لو عندي تغطية صحفية وزوجي بالبيت، ما المانع يساعدني؟
العمل من البيجاما.. فخ نفسي
رشا، مديرة تحرير مجلة أعمال عربية، ترى أن أحد أكبر التحديات هو تلاشي الحدود بين الحياة الشخصية والعملية: «ما في جرس دوام، المدير ممكن يحاكيك بأي ساعة، بتلاقي الشغل عم ياكل من حياتك الشخصية بشكل كبير».
وتضيف أن فكرة العمل من البيجاما ليست ميزة كما تبدو: «نحن بحاجة نطلع، نتأنق، نشوف العالم لما تنامي وتفيقي وتشتغلي بنفس المكان بتحسي حالك أسيرة».
كما تشير إلى أن النساء أنفسهن، خصوصاً غير العاملات، يشكلن عائقاً إضافياً: «بيجوا يزوروني فجأة “جايين نشرب فنجان قهوة سريع”، وكأنو ما في شغل طالما أنت بالبيت فأنت فاضية».
دائرة الذنب التي لا تنتهي
ما يجمع هذه التجارب هو شعور دائم بالذنب، ذنب تجاه العمل إن قصرت، وذنب تجاه البيت إن ركزت على العمل، وذنب تجاه الذات لأنها لا تستطيع أن تكون “مثالية” في كل شيء.
تقول هبة: «هذه الدائرة بين تأنيب الضمير ومحاولة تجاوز التقصير هي أكبر تحدي للعمل من المنزل».
تمكين بشروط
الناشطة في قضايا النساء والمجتمع المدني، صبحية دركزنلي، ترى أن العمل من المنزل، بغض النظر عن طبيعته أو مجاله، يشكل خطوة أولى مهمة في طريق تمكين النساء اقتصادياً، وهي خطوة غالباً ما تفتح الباب أمام أشكال أخرى من التمكين لاحقاً.
وتوضح لـ”سناك سوري”، أن الاستقلالية المادية هي الفارق الأهم في حياة النساء، لأنها تمنح المرأة نقطة قوة تمكّنها من التفكير بخيارات أخرى، وتغيير مسار حياتها، والخروج من دائرة الاعتماد الكامل على الآخرين.

وفي الوقت الذي لا تنكر فيه وجود بعض الآثار السلبية للعمل من المنزل، كغياب الفصل الكامل بين الحياة الخاصة والعملية، تعتبر أن هذه السلبيات تبقى محدودة مقارنة بالإيجابيات فبالنسبة لكثير من النساء، أتاح العمل الأونلاين تجاوز عوائق كبيرة كانت تمنعهن من دخول سوق العمل، مثل بعد المسافات، وصعوبات المواصلات، والالتزامات المنزلية، خصوصاً لمن تتحمل مسؤولية الرعاية.
وتشير إلى أن وجود المرأة في المنزل لا يعني بالضرورة تعطل عملها، بل على العكس، قد يمنحها قدرة أكبر على تنظيم وقتها بما يتناسب مع طبيعة عملها وظروفها الأسرية، ويجعلها قريبة من عائلتها معظم الوقت دون أن تقصى بالكامل عن المجال المهني.
لكن هذا الخيار، بحسب دركزنلي، لا يكون تمكيناً تلقائياً في جميع الحالات، بل يحتاج إلى شروط واضحة حتى لا يتحول إلى عبء إضافي على النساء، وفي مقدمتها، تحديد ساعات عمل واضحة ومرنة، كذلك توفير أدوات وتقنيات مناسبة، مثل إنترنت مستقر وأدوات عمل مريحة، وتخصيص مساحة داخل المنزل للعمل، بما يضمن قدراً من الفصل بين الحياة العائلية والشخصية والمهنية.
وتخلص إلى أن العمل من المنزل خفف فعلياً كثير من التحديات التي كانت تقف عائقاً أمام حصول النساء على فرص عمل، لكنه لا يزال بحاجة إلى بيئة داعمة داخل البيت وخارجه، حتى لا يبقى مجرد حل جزئي لمشكلة أعمق.








