أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

ما تبقى من النفط السوري.. هل مايزال قادراً على إنقاذ البلاد؟

90% من حقول النفط السورية متضررة.. والمخزون في مراحله الأخيرة

في وقت تتزايد فيه التوقعات بإمكانية تعافي قطاع النفط السوري بعد سنوات الحرب واستعادة السيطرة عليها، يحذر خبراء من المبالغة في التعويل على هذا المورد، مؤكدين أن واقع الحقول النفطية تقنياً واقتصادياً لا يسمح بتغطية الاحتياجات المحلية، فضلاً عن تحويل النفط إلى رافعة مالية للدولة.

سناك سوري-خاص

في مقابلة سابقة لـ”سناك سوري” مع الخبير الاقتصادي “محمد صالح الفتيح”، قال إن قطاع النفط في سوريا كان يعاني من اختلالات بنيوية حتى قبل الحرب، موضحاً أن الإنتاج آنذاك بلغ نحو 380 ألف برميل يومياً، كان يخصص معظمها لتغذية المصافي المحلية، بينما لم يكن المتبقي كافياً لتغطية كامل الطلب الداخلي، ما اضطر الحكومات السابقة إلى استيراد المازوت بشكل دائم.

الفتيح: معظم الحقول السورية دخلت مراحل متقدمة من الاستنزاف

ويشرح أن طبيعة النفط الخام السوري لا تسمح بإنتاج متوازن من المشتقات النفطية، إذ يؤدي اختلاف الكثافة والتركيب إلى فائض في بعض المشتقات مقابل نقص في أخرى، لا سيما المازوت، الأمر الذي جعل استيراده خياراً لا مفر منه حتى في سنوات الإنتاج المرتفع.

ويضيف الفتيح أن النفط لم يكن مورداً مالياً صافياً، إذ إن أكثر من 80% من الإنتاج كان يستهلك داخلياً، فيما استخدمت عائدات جزء من الصادرات لتمويل استيراد المشتقات النفطية مثل المازوت، ما قلّص الفائدة الاقتصادية للقطاع.

وفيما يتعلق بتأثير الحرب، يؤكد أن أكثر من 90% من الحقول النفطية تعرضت لأضرار مباشرة أو غير مباشرة، ما أفقدها القدرة على العودة إلى معدلات الإنتاج السابقة، ويشير إلى أن تقديرات ما قبل عام 2011 كانت تتوقع تحول سوريا إلى بلد مستورد للنفط بحلول عام 2015، مع اقتراب النضوب الكامل بحلول عام 2020، إلا أن تراجع الإنتاج خلال الحرب أبقى كميات في باطن الأرض يصعب استخراجها حالياً.

حقل العمر النفطي – فيسبوك

مرحلة متقدمة من الاستنزاف

ويوضح الفتيح أن معظم الحقول السورية دخلت مراحل متقدمة من الاستنزاف، حيث يعتمد الاستخراج في بداياته على ضغط الغاز المصاحب للنفط، وهو ما يخفض الكلفة، ومع تراجع هذا الضغط، يصبح اللجوء إلى الاستخراج الثانوي عبر ضخ المياه أو الغازات أمراً ضرورياً، وهي تقنيات مرتفعة الكلفة بدأت تُستخدم في بعض الحقول منذ تسعينيات القرن الماضي مثل حقل العمر النفطي أكبر حقول النفط في سوريا والذي كان إنتاجه قبل الحرب يقدر بـ80 ألف برميل يومياً.

ويختم بالقول إن الكلفة العالية للاستخراج في المراحل النهائية تجعل إنتاج النفط في سوريا غير مجدٍ اقتصادياً في الوقت الراهن، محذّراً من بناء سياسات طاقة على “آمال غير واقعية” لا تأخذ بعين الاعتبار الواقع التقني للحقول النفطية.

ويعني هذا الواقع، وفق القراءة الاقتصادية المطروحة، أن محدودية الجدوى من إنتاج النفط المحلي تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، إذ يبقى تأمين المشتقات النفطية الأساسية، ولا سيما المازوت، مرتبطاً بالاستيراد وكلفه المرتفعة.

كما يحد تراجع الإنتاج المحلي من قدرة الدولة على التدخل في ضبط الأسعار أو تأمين الاستقرار في سوق الطاقة، ما يترك الأسر والقطاعات الخدمية والإنتاجية عرضة للتقلبات الموسمية والأزمات المتكررة في التدفئة والنقل والكهرباء.

وبينما لا تزال بعض كميات النفط موجودة في باطن الأرض، تشير المعطيات التقنية والاقتصادية إلى أن استعادة القطاع النفطي لدوره السابق لم تعد خياراً واقعياً، لا على مستوى تلبية الاحتياجات المحلية ولا كمورد مالي مستدام، ويُظهر هذا الواقع أن الرهان على النفط، في مرحلة ما بعد الحرب، دون مقاربة أوسع لسياسات الطاقة، يكرّس فجوة بين التوقعات العامة والإمكانات الفعلية، ويعيد إنتاج أزمات قديمة بصيغ جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى