أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

التجربة الفيدرالية السورية .. الحكم اللا مركزي الأوسع في أول تجربة دستورية

المقاطعات تنتخب برلماناتها وتنشئ محاكمها وتضع قوانينها .. هل دعوات اليوم تشبه فيدرالية سوريا الأولى؟

قبل 106 أعوامٍ من اليوم أنتجت سوريا أولى تجاربها الدستورية كدولة مستقلة عن السلطنة العثمانية، حملت اسم “المملكة السورية العربية” والتي مثّلت ما يمكن تسميته “التجربة الفيدرالية السورية” في وقتٍ مبكر.

سناك سوري _ محمد العمر

في ذلك الحين، لم تكن “سوريا” بحدودها الحالية قد تشكّلت بعد، وكانت “المملكة السورية” تعني “بلاد الشام” كما اصطلح تسميتها وتضم “سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين”، مع ما يعنيه ذلك من فوارق في طبائع السكان واختلاف احتياجات المناطق بين “الحسكة” في الشمال الشرقي و”غزة” في الجنوب الغربي مثلاً.

بين دستورين .. سوريا من دولة فيدرالية إلى المركزية المطلقة

من جهة أخرى جسّدت مسألة وضع الدستور أول تجربة انتخابية ديمقراطية في سوريا، حيث تم انتخاب “المؤتمر السوري العام” الذي تحوّل إلى المجلس النيابي لاحقاً، وضمّ ممثلين عن كافة المناطق السورية، وقد عقد جلساته لوضع دستور للبلاد حيث انتخب “هاشم الأتاسي” رئيساً للجنة صياغة الدستور.

الديمقراطية والفيدرالية

اتّسمت تجربة دستور 1920 بسمتين أساسيتين، الأولى أنه وُضع بطريقة ديمقراطية واعتمد الديمقراطية في انتخاب أعضاء مجلَسي النواب والشيوخ، وجعل الحكومة مسؤولة أمام مجلس النواب.

السمة الثانية أنه الدستور الأول والأخير الذي وضع نظاماً “فيدرالياً” لحكم البلاد، إذ اعتبر واضعو الدستور أنها الطريقة المثلى لتحقيق التمثيل الفعلي لكافة المناطق ومراعاة خصوصياتها واختلافاتها، واختيار ممثليها في إدارة شؤونها.

المادة الثانية من الدستور تنص على أن المملكة السورية تتألف من مقاطعات ذات وحدة سياسية لا تقبل التجزئة، وقالت المادة 47 أن “المؤتمر العام” يتألف من مجلسي الشيوخ والنواب.

احتجاجات في الساحل تطالب بحماية المدنيين ..ومظاهرات مضادة تدعو لوقف التحريض

وبينما ذكرت المادة 73 أن المجلس النيابي ينتخب بالرأي الخفي على درجتين، فقد أوضحت المادة 65 أن المجلس النيابي ينتخب في كل “مقاطعة” أعضاءً لمجلس الشيوخ بنسبة ربع نوابها في المجلس النيابي العام ويعيّن الملك عدداً مساوياً لنصف عدد الأعضاء المنتخبين.

ويصل الدستور إلى المادة 122 التي تقول أن المقاطعات تدار على طريقة “اللا مركزية” في إدارتها الداخلية ما عدا الأمور العامة التي تدخل في خصائص الحكومة العامة كما هو مصرّح في الدستور، وتشير المادة 123 إلى أن لكل مقاطعة مجلس نيابي يدقق ميزانية المقاطعة ويسنّ قوانينها ونظمها المحلية وفقاً لحاجاتها، ويراقب أعمال حكومتها وليس له أن يسنّ قانوناً يخالف “القانون الأساسي/ الدستور” ولا القوانين العامة المعطى حق وضعها للمؤتمر.

وتتابع المادة 125 أن انتخابات المجلس النيابي للمقاطعة تكون على درجة واحدة، فيما تعطي المادة 129 المقاطعات صلاحية سنّ القوانين الانتخابية لمجالسها النيابية، بالإضافة إلى المواد التالية التي منحت المجالس النيابية للمقاطعات صلاحية سنّ قوانينها الخاصة، على أن يصادق عليها الملك وإن حصل خلاف بين الطرفين تتم إحالة القوانين لمجلس الشيوخ للبت فيها ويكون حكمه قطعياً.

الصلاحيات الواسعة للمقاطعات تمتد بحسب المادة 134 إلى منحها حق تنظيم جميع أنواع المحاكم بدرجاتها بحسب قانونها الخاص.

إلهام أحمد تدعو لـ سوريا لا مركزية ومنح الأقاليم صلاحيات الأمن والاقتصاد والتعليم

العودة إلى الفيدرالية بعد 106 أعوام

لم يعِش دستور 1920 طويلاً ولم يأخذ حقه من التطبيق الفعلي، فقد تم إعلانه في 13 تموز 1920 قبل يوم واحد فقط من “إنذار غورو” الذي كان بدايةً للانتداب الفرنسي على سوريا والذي أنهى بدوره العمل بالدستور.

لكن هذه التجربة تعطي صورةً عمّا كان يفكّر به السياسيون السوريون في ذلك الحين، وفهمهم لطبيعة البلاد وتنوّع سكّانها ومكوّناتها، وضرورة منحهم حرية واسعة في اختيار ممثليهم على مستوى مقاطعاتهم أولاً وعلى المستوى الوطني ثانياً، وتشكيل مجلس شيوخ لتمثيل المقاطعات والمناطق لضمان حضور صوت كافة المكوّنات في صناعة القرار الوطني.

بعد 106 أعوام، عاد الحديث عن “الفيدرالية” أو “اللا مركزية الموسّعة”، كوسيلة لتمثيل المناطق واحترام خصوصياتها وتنوعها وتعبيراً عن الانتقال من مرحلة “المركزية الشديدة” التي كانت سائدة في عهد النظام السابق، إلى مرحلة من “اللا مركزية” في العهد الجديد، ومنح المناطق حقوقاً تضمن صوتها وتعبّر عن إرادة سكّانها وحق إدارة شؤونهم بأنفسهم.

لكن بعض الأصوات المطالبة بـ”الفيدرالية” اليوم، استندت في دعواتها على اعتبارات طائفية في تحديد الأقاليم أو الولايات، أو إلى اعتبارات إثنية قومية، رغم استحالة تحديد منطقة “نقية” طائفياً أو عرقياً، فلا توجد محافظة سورية تضم سكاناً من طائفة واحدة فقط دون غيرها، أو من قومية واحدة دون سواها، ولا تختلط فيها الأعراق والأديان والطوائف، ما يجعل من دعوة إقامة فيدرالية على أساس طائفي أو قومي غير واقعية، فيما كانت “فيدرالية 1920” تقوم على أساس جغرافي وتهدف إلى أوسع تمثيل لجميع السوريين، ومنحهم الحق في صناعة القرار من المستوى المحلي بأدنى طبقاته إلى المستوى الوطني العام في أعلى صوره وأوسعها.

أنتم ما رأيكم بفكرة اللامركزية كأسلوب إدارة وحوكمة في سوريا؟

زر الذهاب إلى الأعلى