منزلي في “حرستا”.. لم يبقّ منه سوى كأس ماء بارد أنعشني رغم المرار!

كانت المسافة من “دمشق” إلى “حرستا” أطول بكثير من المسافة بين “الدنمارك” و”سوريا”!

سناك سوري-رحاب تامر

«يمكن أوقع ويخونوني رجليي يا رحاب»، قالتها لي بعيون تغلب دمعتها ولا تسقطها، “سوزان” التي جاءت من “الدنمارك” مؤخراً لتفقد منزلها في “حرستا” بعد انتهاء المعارك، لقد كان الوصول إلى “سوريا” من “الدنمارك”، أسهل بكثير من الوصول إلى “حرستا” من “دمشق”، المسافة لم تكن يوماً الأمر الأصعب للوصول إلى هدفنا!.

صديقتي وصلت إلى “دمشق” قبل فترة، تريد تفقد منزلها، لكن الأمر لم ينجح بعد، تقول إنها لم تكن خائفة من رؤية حال منزلها، بقدر خوفها من رؤية الناس هناك، كيف يعيشون، كيف أصبحوا، هل غيرتهم الحرب يا ترى، أسئلة كثيرة لم تكن تلقى جواباً لها، كانت خائفة دائماً من الإجابة.

بعد طول تشجيع مني ومن عمها، انتصرت على مخاوفها وبدأنا رحلتنا نحو “حرستا”، دقائق قليلة ووصلنا، كان عمها والد زوجها دليلنا في المنطقة التي تغيرت معالمها الجغرافية بشكل كبير، كان لزاماً عليه أن يذكر لنا أسماء الأماكن ونقاط العلام التي لم تعد نقاط علام، مجرد خراب يشار إليه باسم “كان هنا قبل بدء الحرب إذا بتتذكروا”.

رأينا بقايا خزانات مياه كبيرة، كان يُفترض بها أن تمتلأ يومياً بالمياه لتأتي الناس وتعبئ منها حاجتها، الكهرباء ما تزال أمراً منسياً، ربما تطبخها الحكومة على نيران نواياها الطيبة تجاه المواطن، كان هناك أناس يحاولون أن يخلقوا حياة من العدم، الحياة هنا تحاول أن تنتصر، لكنها لم تنتصر بعد!.

لم تكن آثار الحرب بادية على “دكان” العم “أبو يحيى” بقدر وضوحها على جسده، لقد فقد يده ورجله، لكنه لم يفقد حاجته للعمل، ربما هي حاجة نفسية بقدر ما هي حاجة مادية، كان يسلق عرانيس الذرة على الفحم، بينما “دكانه” يحوي الكثير من الأشياء اللذيذة، «هي ألذ بكثير من تلك الموجودة في مولات الدنمارك»، قالت لي “سوزان”، وتابعت تجول بعينيها أرجاء المكان بكثير من الحب لن يعرفه إلا من رأى عينيها في تلك اللحظة.

عيون الناس كانت تروي قصص، قصصٌ تخاف أن تسأل عنها، تخاف أن تسمعها، أنت لا تستطيع ببساطة أن تخفف عنهم وتقول لهم «الحياة حلوة والدنيا بمبي»، جروحهم تحتاج يداً حانياً وصدراً يبكون عليه ريثما ينتهي الوجع أو تجف الدموع قليلاً.

كان المسير قد أنهكنا، والعطش قد وجد طريقه إلى حلقومنا، الحياء منعنا من طلب كأس مياه قد يكون ثروة لأهالي هذه المنطقة، سرعان ما أحس بنا العم “أبو يحيى” وناولنا ثلاث كؤوس من المياه المثلجة، أتبعها بثلاث عرانيس، وثلاث من فناجين القهوة الحلوة، لقد كان سعيداً جداً بزيارة عم “سوزان”، فهو يتردد عليه دائماً ويتحدثون عن الأيام الجميلة ما قبل الحرب.

أنا و”سوزان” لا نشرب القهوة الحلوة، لكننا شربناها بتلذذ كبير، نحن لم نكن نتوقع أبداً أن نخرج من هذا الدمار كله بكأس مياه باردة وعرنوس ذرة وفنجان قهوة حلوة، والكثير من الحاجيات اللذيذة التي اشتريناه من دكان العم “أبو يحيى”.

اقرأ أيضاً: بعد أن كان طريقاً للموت أوتستراد “حرستا” يعود قريباً إلى الحياة

ابن سوزان متقدماً باتجاه المنزل


المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع