مجانية التعليم في سوريا وتحديات غلاء المستلزمات

تشكل مستلزمات التعليم في سوريا تحدٍ حقيقي لمفهوم مجانية التعليم في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها السوريون

سناك سوري_ محمد العمر

تنص المادة 29 من الدستور السوري المقر في عام 2012 في الفقرتين 1و 2 على أن التعليم حق تكفله الدولة و هو مجاني في جميع مراحله، و ينظم القانون الحالات التي يكون فيها التعليم مأجوراً في الجامعات و المعاهد الحكومية و يكون التعليم إلزامياً حتى نهاية مرحلة التعليم الأساسي و تعمل الدولة على مد الإلزام إلى مراحل أخرى.
و فيما انشغل قانون التعليم رقم 7 بتحديد معنى الإلزامية و تطبيقها لم يأتِ على تحديد معنى “مجانية التعليم” في حين أن التطبيق العملي في مراحل التعليم الأساسي يبيّن لنا أن المجانية تقتصر على عدم وجود رسوم تسجيل سنوية على الطالب بالإضافة إلى توزيع الكتب و استردادها في نهاية العام، أما التكاليف الأخرى فلا تشملها مجانية التعليم.
تبدأ رحلة المصاريف المدرسية في بداية العام الدراسي لشراء الحقائب و القرطاسية و اللباس المدرسي عدا عن اضطرار بعض الأهالي لتسجيل أبنائهم في وسيلة مواصلات خاصة لنقلهم إلى المدرسة في حال كانت بعيدة كما اشتكى بعض الطلاب هذا العام من استلامهم لنسخ الكتب ناقصة من بعض المواد ما اضطرّهم لشرائها على نفقتهم الخاصة.يقول “خالد سمّان” (موظف 49 عاماً) و هو أب لطفلين في المرحلتين الابتدائية و الإعدادية أن الأعوام الماضية كانت بعض المنظمات و الجمعيات توزّع الحقائب و بعض الأدوات الدراسية على الطلاب و كانت هذه المساعدات تخفف أعباء المصاريف لكن هذا العام دفعتُ في بداية العام الدراسي راتب شهر كامل حوالي 30 ألف ليرة سورية ثمناً لتجهيز الطفلين لدخول المدرسة مع ارتفاع ثمن الحقائب و القرطاسية و اللباس المدرسي الذي تلزم المدارس طلابها به ناهيك عن المصاريف اليومية للأطفال و متطلباتهم المتجددة في المدرسة.

تقول” سمر رز “و هي طالبة في الصف السادس الابتدائي في مدرسة “المثنى بن حارثة”  أن المدرّسين في هذا العام طلبوا منهم تحضير ما سموه “المشروع” و هو عبارة عن لوحة من الرسومات و المعلومات الخاصة بموضوع معين في مادة من المواد الدراسية يتم تحضيرها بطرق فنية و استخدام الألوان المختلفة لخلق شكل جذاب لقراءة المعلومات الواردة فيها و تصف “سمر” مشروعها عن موضوع باللغة الانكليزية «أحلا مشروع بالمدرسة خالي ساعدني فيه و جبنا ورق ملون و ورق إيڤا و بابا عطاني 1000 ليرة لاشتري الأغراض بس طلع أحلى مشروع بالصف و بالمدرسة كلها و الآنسة علقتلي ياه ع الحيط» لكن تكاليف هذا المشروع تقع على عاتق أهل الطلاب و يصف “خالد” ما يحدث في هذا الخصوص بقوله «عم يطلبو من الطلاب مشاريع و رسومات بتكلفنا النا و على أساس انهم مشروعين بالسنة للطالب و ابني صار طلبو منو ٤ مشاريع لحد الآن تكاليفن علينا عدا عن تعب تحضيرن».

اقرأ أيضاً: التربية الدينية.. تلاميذ أُخرِجوا من صفهم يُطالبون بإعادة النظر بهذه المادة

و تبقى المصاريف في مرحلة التعليم الأساسي أقل من مصاريف التعليم الثانوي حيث يتوجب على الطالب شراء الكتب ودفاتر خاصة بكل مادة و حقيبة أكبر و لباس مدرسي بسعر أعلى عدا ما قد يلزمه من دروس خصوصية.

لكن السنوات التي تشكل هاجساً مادياً لدى الأهالي هي السنوات التي يكون أحد أبنائهم فيها متقدّماً إلى إحدى الشهادتين الإعدادية أو الثانوية حيث تصل المصاريف إلى أرقام قياسية قد لا يتوقعها من لم يمر بالتجربة، فبعد دفع كل مصاريف الكتب و الدفاتر و النوطات و القرطاسية يأتي دور الدورات الخاصة في المعاهد أو في المنزل حيث الثمن الأغلى و في إحصاء سريع لرسوم المعاهد الخاصة في “حلب” فإن دورات شهادة التعليم الأساسي (التاسع) تتراوح بين ٦٠و ١٥٠ ألف ليرة سورية و يأتي تفاوت الأسعار تبعاً للحي الذي يتواجد فيه المعهد، أما دورات شهادة التعليم الثانوي (البكالوريا) فإنها تبدأ تقريباً عند ١٥٠ ألف ولا تنتهي عند ٨٠٠ ألف ليرة سورية للعام!
تردّ “مها نقار” (مدرّسة علوم للمرحلة الثانوية):«أن التعليم في سوريا مجاني بالمبدأ في مرحلة التعليم الأساسي و أقل تكلفة بشكل لا يقاس مع الدول المجاورة في المراحل الأخرى و أنّ الدورات في المعاهد خاصة للشهادتين الإعدادية والثانوية أصبحت تقليداً بين الطلاب أكثر من كونها وسيلة للتقوية و إغناء المعلومات و هناك خطأ يرتكبه بعض الأهالي الذين لا يتركون الطفل يعتمد على نفسه و على ما يتلقاه في المدرسة فيجلبون له أساتذة حتى المنزل لتدريسه و بعض الأهالي يجلبون أساتذة لأولادهم حتى لكتابة وظائفهم! و هذا أمر خاطئ»

اقرأ أيضاً: أنا ابن الآنسة…. الجملة التي أساءت لمدارسنا وخلفت أثراً عميقاً في نفوس بعض الطلبة

الفكرة الشائعة بين الناس عن أن التعليم العام المجاني لا يصل لجودة التعليم الخاص لم تأتِ من فراغ رغم أنها ليست قاعدة مطلقة تنطبق على جميع الحالات لأن مسألة جودة التعليم تتعلق بالمدرّس أولاً و مدى فهمه و حبّه لعمله و مادته التي يدرّسها للطلاب لكن ظروفاً تلحق بشخص المدرّس تحكم أيضاً جودة التعليم فالمدرّس “ياسر” قال لـ سناك سوري أنّه «يدرّس في مدارس ريف حلب حيث يضيع وقته و نسبة كبيرة من راتبه حتى يصل إلى المدرسة و مع الرواتب القليلة و قلة خدمات المدرسة و عدم تأمين ظروف مريحة للمدرّس لا يستطيع أن يزعم أنه سيعطي بطريقة جيدة بينما المقارنة مع الدروس الخصوصية التي يعطيها في المعاهد توضّح الفرق من حيث تقدير مجهوده و مساعدته ليكون في حالة مناسبة لتقديم أفضل ما لديه للطلاب»
تساهم عدة عوامل في إضعاف صفة المجانية عن التعليم في سوريا و ميله أكثر نحو تكاليف أصبحت تقارب تكاليف التعليم الخاص و يقترح “خالد” «أن يكون هناك مساعدة من المدرسة في تأمين اللوازم المدرسية و اللباس المدرسي كأن يكون هناك مؤسسات تقدّم اللوازم بأسعار مدعومة و أن تتكفل المدرسة بتأمين الأدوات المناسبة للمشاريع التي تطلبها من الطلاب و أن يكون تحضير المشاريع داخل المدرسة في حصص الرسم مثلاً ليقوم الطالب بتحضيرها بنفسه فعلاً».
بينما يقترح المدرّس”ياسر” «رفع رواتب المعلمين و تأمين ظروف تدريسية جيدة لهم كأن تكون المدارس قريبة و أن يكون تعامل إدارات المدارس و مديرية التربية أكثر احتراماً للمدرّس و أن تكون الصفوف التعليمية مخدّمة جيداً كل هذا يخدم العملية التعليمية و يتجه بها نحو الأفضل أما الآن فالوضع سيء»

اقرأ أيضاً: “دروس المتابعة” تقضي على عملية التعلم.. حشو صباحي ومسائي وتلقين ببغائي

و تقول المدرّسة “مها نقار” «على الأهالي الابتعاد عن التقليد الأعمى و تسجيل دورات خاصة لأبنائهم هم بغنى عنها إن هم تابعوهم و تابعوا دراستهم جيداً فالمستوى التعليمي في المدارس الحكومية ليس سيئاً إنما يحتاج لجهد من الطالب لا أن يعتاد على الحصول على كل شيء بسهولة»
التعليم الأساسي في سوريا مجاني في سطور القانون و لكن التكاليف التي باتت ثقيلة على أهالي الطلاب لا توحي بأنه لا زال مجاني مئة بالمئة بل إنه يتوجه أكثر فأكثر ليصبح مدفوع الثمن مع تخوّف عام من أن يصبح العلم حكراً على الأغنياء و لا يعد بمقدور الفقراء تدريس أبنائهم و الحلم بمستقبل أفضل لهم.

هذا الواقع نسبياً لم يكن على هذا الحال قبل عام 2011 حيث كانت ظروف المعيشة أفضل مما هي عليه الآن بكثير وكان تأمين المستلزمات لا يحتاج تكاليف باهظة الثمن مقارنة بواقع المعيشة الآن ومستوى دخل الفرد، وبالتالي يمكن القول إن مجانية التعليم بشكل أو آخر أصبحت أحد ضحايا الحرب القائمة في البلاد منذ سنوات.

يذكر أن سوريا تعاني حصاراً وعقوبات أوروبية وأميركية خانقة ساهمت في تدهور الواقع المعيشي وتدهور حالة السوريين الذين اضطر الآلاف منهم للجوء إلى دول تفرض الحصار على سوريا بحثاً عن ظروف تعليمية أفضل.

اقرأ أيضاً: المدارس السورية نظرة خلف الأسوار

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع