لوحات مخملية لثورة جياع – ناجي سعيد

أنا الذي غفوتُ متلفلفاً “بحرام” سميك يقيني برد زجاج غرفتي المكسور

سناك سوري – ناجي سعيد

في نهاية يومي، دائمًا ما يشغل بالَ دماغي عمليةُ التفكير لتقييم نهاري الطويل. وكان ذلك النهار سيئًا جدًّا بالنسبة لي.
“بالَ دماغي”، قد يستغرب قارئ هذا التعبير، ويسأل إن كان هناك مصطلحٌ بهذا الشكل يُستخدم؟ لا أعتقد، لكنّي أصبحتُ مهووسًا بعد الحادث أكثر من قبله.. أي حادث؟ نعم سأروي بالتفصيل:
في الأسبوع الأوّل من حزيران في العام 2016 وحين كنت ذاهبًا إلى عملي في بيروت. (من مدينة صور حيث أقطن) وكنت أقود سيارة الجمعيّة، فهي ليست ملكي الخاص طبعًا، فقد استأجرتها جمعيّتنا لتسهيل التنقّل والعمل للموظّفين. وفي منطقة الزهراني بين صور وصيدا، إرتطم بسيارتي من الخلف “سائق شاحنة”، فقُلبَت سيارتي عن حافة قريبة من جسر الزهراني. وكانت الضربة قوية على “رأسي”، فالسيارة “راحت للكسر” والضربة القويّة على دماغي أدخلتني في الغيبوبة COMA ثلاثة أسابيع.
وقد بدأت الذاكرة تستعيد عافيتها جزئيًّا بعد أن استيقظت بحوالي الشهر. فقد أعلموني بأني استيقظت من غيبوبتي، وكنت أمازح الجميع كعادتي، ولم أخسر شيئًا من الحسّ الفكاهي الساخر (مع نقد اجتماعي سياسي طبعًا وهذه عادتي)، وهذا بالتأكيد بعيدًا عن الإستهزاء بالمستوى الشخصي لأي إنسان، فالإنسان قيمته مقدّسة عندي. وبعد المتابعة الطبيّة لحالتي، أسفت جدًّا حين أعلمني الطبيب بأن الحادث أتلف بعض الخلايا من دماغي، والخلايا التي تتلف لا تعود من جديد. وبدأ التحليل عندي: هل الخلايا التي خسرتها، كانت مسؤولة عن جزء أساسي من ذاكرتي؟ فقد كنت في بداية الورش التدريبية التي أدرّب فيها، أحفظ أسماء المشاركين من أوّل جولة. لذا اعتقدت أنّ الخلايا المفقودة كانت مسؤولة عن جزء من ذاكرتي. مع العلم أن صديقي “حسن” أخبرني أن حالة ذاكرتي طبيعيّة فهو من دون حادث وفقدان خلايا دماغية كثير النسيان (وخاصةً الأسماء).

اقرأ أيضاً من قال إن القناعة كنز لايفنى؟- ناجي سعيد

وفي تشخيص علمي دقيق، أنّ ما تأثّر في دماغي هو الذاكرة القصيرة. وقد أيقنت بعد التجربة، أن هذا الجزء من الذاكرة القصيرة، يطال أماكن لم أقصدها من زمن. وقد أدركت أن الذاكرة الجغرافيّة مستقرّة في منطقة اللاوعي والذي يعتبر ذاكرة قصيرة الإستخدام حيث تلبّي الطلب عند مناداتها. فالقُصر ليس زمانيًّا فقط، بل قصور في الإستعمال.
إن ما أتحدّث عنه هو الدماغ وما أصابه من خلل في بعض وظائف التشبيك والربط بين العديد من المواضيع الحياتية. وقد أثّر هذا القُصور الدماغي على المستوى القِيمي لديّ. وأنا الناشط مجتمعيًّا منذ بداية الحراكات الشبابية في العام 2009، كيف؟
دُعيتُ مع صديقة مقرّبة منّي عائليًّا لحضور معرض فنّي يتضمّن لوحات عن “الثورة اللبنانية”، وكانت الصديقة قد شاركت بلوحتين من أعمالها التي رسمتها، مندفعة بشعور صادق مع الثورة (أو الحراك كما يسمّيه البعض لإختلاف أيديولوجي). وبحكم دراستي للفنون الجميلة- الرسم والتصوير، فإنّ لوحات صديقتي بمستوى راقٍ جدّا، من ناحية التقنية الإحترافية، والموضوع الذي تحرّك بفعل موقف متعاطف بقوّة مع الثورة، مع العجز من المشاركة بجميع أنشطة الثوّار، إلاّ حين استطاعت إليها سبيلا.
الأزمة التي أكتب عنها الآن وقد حمّلت حادث السيارة المشؤوم السبب في “القصور الدماغي”، هي أن أصدقاء لي من (الثوّار) -قابلتهم قبل افتتاح المعرض- هاجموا واعترضوا فكرة المعرض برمّتها وذلك لأسباب منطقيّة. فبدل أن يحاكي الفن من خلال لوحات المعرض أوجاع الناس، كان استعراضًا جماليًا لمشاهد من الثورة والشارع والمظاهرات الشعبية الإحتجاجية. وأضف إلى أنّ السيّدة التي نظّمت المعرض (ولا أعرف من هي) طلبت من الفنّانين التوقيع على عقود تخوّلها التصرّف بالأعمال المُقدّمة، حيث استثنت بعض الأعمال من العرض لكنّها وضعت جميع الأعمال في كتاب طُبع وهو يتضمّن لوحات الثورة.
وقد علمت فقط من صديقتي بأن حصلت على حقّها التي طلبته وهو بكلّ تواضع : نشر لوحاتها في الكتاب!! ولأنها لا تأبه بالمال ولا تملك ثقافة حقوقيّة، كانت راضية وسعيدة مع بعض الحزن والإمتعاض لعدم عرض اللوحات في المعرض!!
الكتاب الذي طبعته منظَّمة المعرض بفخامة ورقه وتصميمه، لا يمتّ للثورة الشعبية بصلة، ولا يأبه بجوع الناس الذين قد يحلمون “بكسرة” خبز من ثمنه الذي سعّرته “البرجوازية” بـ 120 $، فهذا السعر يبارك النهج الفاسد السارق لخيرات الناس. لقد أبعدت القوى الأمنية المحتجين عن “تخريب” المعرض (عموماً أنا ضد التخريب والعنف)، معرض الطبقة الأوليغارشية، التي أنهت المشهد الغريب بأن ركب كلّ روّاد المعرض سياراتهم الفارهة وقفلوا عائدين إلى وسائدهم الوثيرة. وأنا الذي غفوتُ متلفلفًا “بحرام” سميك يقيني برد زجاج غرفتي المكسور، ورحت أحلم بجهل صديقتي التي تستسهل الرسم الذي يستصعبه البعض، والبعض الذي بدوره يستصعب الرسم ويستسهل.. الفساد.
وتبادر إلى ذهني عند الصباح فوراً قول الأمام عليّ: “لاغنى كالعلم ولا فقر كالجهل ولا ميراث كالأدب”

اقرأ أيضاً عن عُنف الشارِع والجوع وسوء السلطة – ناجي سعيد

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع