عمّة تُربي أطفال أخيها المفقود وتتعرض للتحرّش والاستغلال

الطفلان ليث وعلي وعمتهما - سناك سوري

طفلان يحلمان بـ “بسكليت” و قطعة “حلوى”.. غياب للأهل و حضور للعمّة.. هل توصلهما إلى برّ الأمان

سناك سوري – سها كامل – عفراء بهلولي

يجلس “ليث” ذو التاسعة ربيعاً على زاوية أحد أرصفة منطقة “نجها” بريف دمشق، يراقب الأطفال، إنهم يمرحون ويرتدون ثياباً رائعة والألوان الزاهية لتلك الدراجة التي يقودها أحد الأولاد، كم هي بهيّة، يدور في رأسه الصغير الكثير من الحكايا، ينسج أحلاماً يراها عظيمة وترتسم في مخيلته صورة والدته الذي اختفى منذ أكثر من 7 سنوات و لم يعد أبداً، أما والدته التي تخلّت عنه قبل أن يعرفها، فلم تكن ضمن دائرة أحلامه.

أما عمّته “دعاء”، فتراقب قطرات الماء التي تتساقط بشكل رتيب في الوعاء النحاسي من سقف منزلهم القديم الذي تكسوه الرطوبة، و يتلاشى عنه الطلاء يوما بعد يوم، إن أفكارها مشوشة، وقلبها حزين، فمنذ أن فُقِدَ شقيقها في العام 2012 وترك لها ولديه “ليث” و “علي” الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره أيضاً، أصبح حملها ثقيلاً ومسؤوليتها أثقل، فكيف لها أن تهتم بطفلين وحدها، بعد أن توفيت والدتها العام الماضي وتخلّى عنها كل من يعرفها.

اقرأ أيضاً:  اللاذقية: أطفال تعرضوا للضرب في قسم الشرطة.. الأحداث ظلم في المجتمع والعقاب

الكثير من الحكايا ترويها “دعاء” لسناك سوري، أكثرها ألماً حادثة التحرّش التي تعرّضت لها مرة، أثناء محاولتها إطعام أطفال أخيها، تروي القصة وتقول “بعد وفاة والدتي بقيت وحيدة مع الأطفال، كنت بحاجة للمساعدة لأطعمهم، اعتدت على مساعدة الجيران، فطلبت من أحدهم مساعدتي، ولأنني أصبحت وحيدة حاول استغلالي ونظر إلي نظرة إغواء حاول أن يلمس يدي، وطلب أن ادخل إلى منزله، منذ ذلك اليوم أقسمت ألا أطلب المساعدة من أحد”.

تقول عمّة الطفلين “دعاء” ، “أنا فتاة لم أتجاوز الـ 23 من عمري، ليس لدي خبرات أو شهادات دراسية، ضاقت الأحوال ولم أعد قادرة على تأمين مستلزماتهم، كل ما أملك راتب والدي التقاعدي، وسلة مساعدات تصلني من “الهلال الأحمر” كل ثلاثة أشهر، قررت أن أناضل من أجلهما علمت في محل قريب لبيع الألبسة، لكنني في كل مرة كنت أعود فيها من العمل أجدهما إما يبكيان أو يجلسان على الرصيف أو تعرضا للضرب من أولاد الجيران لم أستطع الاستمرار انتابتني مشاعر الخوف عليهما من الأذى أو الخطف أو التشرد”.

“زيت وزعتر” إنها وجبتنا الأساسية وكل ما نملك، تقول “دعاء” وتكمل “أحاول أن أقدم لهما ما استطعت، لكن إمكانياتي محدودة، ليس لدي المال، أصبّرهما دائماً برغيف خبز ممسوح بزيت الزيتون ورشة زعتر فوقه، وخلال فصل الشتاء عانينا الجوع والبرد،  غفونا في ليالي طويلة بلا عشاء، نراقب ضوء الشمعة الذي ما يلبث أن يختفي ساعة بعد ساعة، وسط منزل لا يوجد فيه كهرباء، ويطبق فيه الظلام على أعيننا وقلوبنا”.

“دار لرعاية الأطفال” إنه الحل الوحيد لأحمي أبناء أخي من الجوع والبرد والحاجة، تقول “دعاء” وتشرح “تواصلت مع أحد المراكز في “قدسيا” الذي يستضيف الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، فرحت كثيراً لانهما سيحظيان بكل ما يحتاجانه، الطعام واللباس والدفء والمأوى، لكن فرحتي تلاشت عندما أخبروني في المركز أنهم يستضيفون الأطفال لمدة 6 أشهر فقط، فكيف لهم العودة إلى هذا الجحيم بعد أن ينعموا بالدفء والمأوى، رفضت أن أسجلهما، أردت حلّاً دائماً وليس مؤقتاً”.

يجول في فكرها الكثير من الحلول، هل تُرسل الكبير ليعمل لدى “كومجي”؟، لكن لا إنه تلميذ مُجدّ ويحب المدرسة، كما أن الخوف عليه من التعرّض للأذى أو التنمّر ردعها، إنها عمته ومسؤولة عنه، كيف لها أن تقبل أن يغادر المدرسة، وهي التي لم تقبل أن توّفي والده، لأن أملها أن يعود يوما ما، ما زال يلازم قلبها وعقلها، والصغير إنه غضّ ولا يقوى على العمل، تسأل نفسها ماذا ستفعل وهي الفتاة غير العاملة والفاقدة للأصدقاء والأقارب باستنثاء أخواتها المتزوجات اللواتي يعانين ضيق الحال مثلها وأكثر.

الطفلان “ليث” و “علي” ينقصهما أبسط الحاجات الأساسية، أحلامهما بقيت في إطار أن يحظيا بلباس جديد أو لعبة جميلة أو حتى منزل دافئ، قصتهما ليست أولى القصص التي يعيشها الأطفال في سوريا، فهما جزء من معاناة كبيرة أوجدتها الحرب، وحصدت الكثير من العائلات، وخلّفت أطفالاً على قارعة الطرقات يحلمون بقطعة حلوى أو حذاء جديد، بينما ماتزال الحلول الحكومية لوقف معاناة هؤلاء الأطفال خجولة ومحدودة وغير مستدامة.

اقرأ أيضاً: أب رمى ولديه إلى الشارع فتحولا إلى لصوص.. الأحداث ضحايا أم مجرمون؟

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع