“طرطوس”.. سيارة الجمارك داهمت أصحاب البسطات لكن أحداً لم يرّ الأطفال المتسولين!

في لحظة لابد أن تدرك أننا قوم عديمو المسؤولية نحرم الفقراء من العمل ونسمح لهم التسول مع أبنائهم في الشوارع، المهم ألا يتأذى “الاقتصاد الوطني”.. وآه يا وطني!

سناك سوري-رحاب تامر

«عجل يالله، شيل.. شيل.. شيل معي» قالها أحد “الرجال” يطالب العون من آخر مثله في “سوق النسوان” بالمشبكة داخل مدينة “طرطوس”، قبل أن “ينغل” المكان برجال مشابهون يساعدون بعضهم البعض في إخلاء المكان من بسطاتهم الصغيرة، لم تكن دوريات البلدية هذه المرة، لقد كانت دورية للجمارك تجوب المنطقة بحثاً عن المهربات، كان ينقص المشهد موسيقى تصويرية مناسبة لتشاهد فيلم رعب خالص داخل المدينة الوادعة.

بضع خطوات فقط كانت كافية لأشاهد سيارة بيضاء يمتطيها رجل أرجع رأسه إلى الوراء مخرجاً يده خارج النافذة بينما يستخدمها ليمج مجة طويلة من سيكارته ينفس دخانها إلى الأعلى بكل فخر، وهو ينظر إلى أكوام الرجال الذين يحملون بسطات عبارة عن طاولات صغيرة عليها بعض البلاستيك والساعات رخيصة الثمن وربما بعض القداحات وملاقط الغسيل هرباً بها من أعين الجمارك، على المقلب الآخر كانت المحال التجارية الكبرى آمنة تماماً تبيع بضائعها بكل ثقة!.

أغمضت عيني وابتعدت عن المكان الذي بقيت أكثر من 5 سنوات فيما مضى أتقصد المرور منه لرؤية أولئك الباعة اللطيفون يبحثون عن فرصة عمل شريفة، غير آبهين بنظرة دونية أو مكترثين بمن يقول إنهم فقراء.

من دوار “الساعة” وحتى شارع الوكالات كانت المدينة النائمة فيما مضى من الزمن، تعج بحركة لافتة في مثل هذه الساعة التي كانت تقارب الـ8 مساء، من يعرف “طرطوس” يعلم أن شوارعها قبل عدة سنوات في مثل هذا الوقت تكاد تكون خالية إلا من القطط في حال وجدت، بعكس اليوم، يبدو أن المدينة التي لم أزرها منذ سنتين قد فارقت الكثير من عاداتها.

في شارع الوكالات، أحد أشهر الشوارع في المدينة، لم يكن هناك دوريات للجمارك في ذلك اليوم، كان هناك الكثير من البشر والأطفال المتسولون، للأسف الدوريات المعنية بحماية الأطفال من الشوارع والتسول ليست فاعلة كما الجمارك المعنية بضبط المهربات وأصحاب البسطات الصغيرة، لا بأس فلو سمعت الحكومة بأولئك المتسولين الأطفال بالتأكيد كانت ستقول إنها ستعلن “سوريا” خالية من التسول نهاية العام الجاري أسوةً بإعلانها عن المهربات، وها أنا ذا أحاول إخبار المعنيين بوجودهم، ولن يكلفهم التأكد من الأمر سوى النزول إلى الشارع المذكور وكل شوارع “طرطوس” الأخرى.

أحاول أيضاً أن أخبر الحكومة عن أطفال مشابهون صادفتهم في كراج البولمان باللاذقية، في ذات اليوم، حيث جلست أنا وطفلتي البالغة من العمر 4 سنوات بانتظار البولمان، قبل أن يقترب منا 3 أطفال، يحاولون إغراء طفلتي الصغيرة بالبسكويت، يالجبروتهم يعرضون عليها شراء أحلامهم!.

طفلتي الصغيرة حدثتني البارحة قائلة، «ماما بتتذكري الولاد يلي إجوا عطوني بسكوت وعلك، وقالولك الله يخليلك بنتك»، وأنا أخبرتها أني أذكرهم وأنهم أحبوها لذلك قدموا لها البسكويت والعلك، وأخبرت نفسي أننا قوم عديمي المسؤولية نقض مضاجع الفقراء ونغلق الأبواب في وجوههم إن أرادوا العمل، ونسمح لهم ولأطفالهم التسول بكل أريحية في الشوارع طالما أنهم لا يؤذون الاقتصاد “الوطني”.

ملاحظة: تم إغفال إظهار الوجه عند التقاط الصور للاطفال مراعاة للمعايير الإنسانية، فالغرض تبيان همهم وليس إظهار صورهم كسبق صحفي.

اقرأ أيضاً: سؤال للحكومات المتعاقبة.. أين ذهب “قرشنا الأبيض” الذي ادخرتموه لـ”يومنا الأسود”؟!

 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع