“صبرية” التي امتلكت شجاعة وجبن “الانتحار”.. “دمشق يا بسمة الحزن”

الأديبة السورية "إلفة الإدلبي"

لقد انهزمت شر هزيمة حين انتصرت على نفسي

سناك سوري – عمرو مجدح

«لقد انهزمت شر هزيمة حين انتصرت على نفسي. استطعت أخيراً أن أقضي على الثورة الجامحة التي كانت تغلي في أعماقي دائماً أبداً كما يغلي الماء في المرجل لقد أطفأتها بالكبت الطويل بترويض النفس عن الصبر والرضا بالواقع مهما كان مرا».

مع هذه الكلمات التي قالتها “صبرية” بطلة الرواية، كانت تظهر الأديبة السورية “إلفة الإدلبي” في شريط مصور وهي تقرأ نص من روايتها “دمشق يا بسمة الحزن” وتسبق شارة المسلسل المأخوذ عن الرواية والذي أنتج العام 1992، وربما تكون المرة الأولى التي تظهر فيها كاتبة وروائية بالصوت والصورة في مقدمة كل حلقة من المسلسل الدرامي.

تعتبر رواية “دمشق يا بسمة الحزن” الصادرة عام 1980 من أكثر الروايات السورية انتشارا خاصة أنها أدرجت ضمن المناهج الدراسية وقدمت في الدراما التلفزيونية ومن خلال شاشة السينما عام 2008 وحمل الفيلم والمسلسل نفس العنوان، وتدور أحداث القصة في مدينة دمشق إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا في ظل أجواء وطنية ونضال ضد المستعمر وإلقاء الضوء على واقع المرأة والقيود التي كانت تفرض عليها.

تقول “صبرية”: «هل سموني صبرية لأصبر وأصبر وماذا بعد الصبر إلا مجرفة وقبر؟».

“أشعر أحيانا أني كلبة جموح، مربوطة من عنقها بسلسلة مشدودة إلى وتد مغروس في هذا البيت العتيق وكلما حاولت الكلبة الجموح الافلات من قيدها ازدادت السلسلة انطباقاً عليها حتى انغرزت في لحمها فكانت كلما تحركت يسيل دمها ويشتد ألمها عقلي يرفض هذا النمط من العبودية ولكني لا أستطيع التحرر منه.

أنا عاجزة… عاجزة هكذا ربوني منذ أجيال وأجيال إن ما تراكم عبر الأزمان الطويلة من ديانات وعادات وتقاليد هذه التابويات التي رسخت جذورها في النفوس حتى أصبحت شبه مقدسة هل يمكن لواحدة ضعيفة مثلي أن تتخطاها بمفردها؟”.

حُرمت “صبرية” من إكمال تعليمها كما حرمت من اختيار زوجها وشريك حياتها وبقيت عزباء وحيدة ملازمة لأمها المريضة إلى أن توفت ثم والدها الذي سقط ذات يوم في المحل وأصيب “بالفالج” كما يسمى عند أهل الشام وظلت إلى جانبه عشر سنوات أخرى تخدمه ويوم توفى كان العمر قد مر، كبرت “صبرية” كثيراً في السن ومامر عليها في حياتها القاسية زاد من عمرها أضعاف تقول “صبرية” واصفةً حالها وهي ملازمه لوالدها: «أشعر أني أجف لحظة فلحظة وأنا حبيسة هذه الجدران العالية في هذا البيت العتيق مع هذا العجوز المريض».

في العزاء تهامست النسوة عليها قائلات: «أمضت شبابها كسجينة محكوم عليها بالأشغال الشاقة، مسكينة المرأة التي لم تتزوج” وتقول أخرى، كم تشعر بالمرارة والمذلة حين تجد نفسها عبئاً ثقيلاً على إخوتها أو أهلها، على رأي المثل “ياويل من كان رجالها بنيها(ابنها) وعشاها من بيت خيها”».

لم ترث “صبرية” من أبيها الثري شيئاً لأنه خصص ثروته كلها لأبنائه الذكور!

كانت “صبرية” كما تصفها “سلمى” ابنة أخيها «تحب البيت تتسلى بزرع الأحواض التي حول باحة الدار بالأزهار النادرة ودوالي العنب وأشجار النارنج والكباد والليمون وتعلق عليها أقفاص الشحارير والحساسين والكناريا كما كانت تربي فيه القطط الشامية الحلوة، وتضع في بحرته الأسماك الملونة وتجد في ذلك كله متعة كبيرة ومؤنِساً لها في وحدتها وتتباهى به أمام جيرانها وصديقتها».

اقرأ أيضاً “المصابيح الزرق”.. حكايا الحروب المتشابهة والتاريخ الذي يعيد نفسه

تتذكر “صبرية” كيف خرجت في مظاهرة قبل سنوات عديدة ضد الاحتلال الفرنسي ومناصرة للثورة السورية التي انطلقت في جبل العرب ولا تنسى أنها ذلك اليوم تلقت الضربات والشتائم من قبل أبيها وشقيقها لأنها تأخرت في العودة إلى البيت ومنعت من الذهاب إلى المدرسة بشكل نهائي قائلة: «كان ميعاد المظاهرات يوم الخميس اجتمعنا بعد انصرافنا من المدرسة في دار إحدى الزميلات في حي المهاجرين كان عددنا عشرين طالبة أعدت لنا سيارات مكشوفة وقفنا بها وكنا نرتدي ملاءات سوداء محتشمة ونرخي على وجوهنا حجاباً كثيفاً كي لا ندع لرجال الدين حجة لمهاجمتنا. لأول مرة أحس أني إنسانة ذات كيان وهدف وأنّي على استعداد لأن أموت في سبيل الدفاع عنهما».

وتتساءل: «أيطالب أهل بلادي بالحرية ويعجزون عن منحها بعضهم بعضا؟ نصف الأمة يرسف في قيود خلقتموها أنتم أيها الرجال هنا يكمن الغلط الذي نأبى أن نعترف به».

بعد وفاة الأب قرر أخويها بيع البيت وأن يستأجرا لـ”صبرية” غرفة صغيرة عند الجيران في بيت متواضع وكانت المفاجأة التي لم تكن بالحسبان وترويها “سلمى” قائلة: «قبل أن أنتهي من الدرج التفتت نحو أرض الديار فوقع نظري عليها، رأيتها طويلة، طويلة وهي مدلاة من شجرة الليمون بثوبها الأسود وغطائها الأسود ورأسها منحن على صدرها قليلاً ووجهها بقعة بيضاء شاحبة في محيط أسود.. لقد شنقت نفسها! ما أفظع أن تنتهي حياتك الشقية بالانتحار دون أن تتخللها ولو ومضات قصيرة من السعادة.

اقرأ أيضاً من يهود “سوريا” إلى “هالة” بنت “ألبير” اليهودي – عمرو مجدح

هل الانتحار جبن أم شجاعة ؟

لا شك عندي أنه جبن وشجاعة في آن واحد وهذا ماحدث لصبرية بالتأكيد لقد جبنت من مواجهة واقع بشع لا تملك تغييره أبدا بعد أن وجدت نفسها كهلة محطمة لا تجيد عملاً ولا تحمل شهادة وقد فرض عليها أن تعيش عالة على أخويها فآثرت الموت على هذه الحياة المهانة والذليلة وكانت شجاعة حين استطاعت أن تنفذ هذا الانتحار، ألم تقل لي يومئذ إنها لن تخرج من هذا البيت إلا جثة هامدة وها هي ذي تخرج منه جثة هامدة».

لم تنتهِ حكاية “صبرية” فمازال الشرق يعج بقصص شبيهه رغم مرور كل تلك السنين قد لا نصدق أنها مازالت تحدث في بقعة ما مظلمة من هذا العالم فأحياء كاملة ومجتمعات متمسكة بتلك القيود والعادات البالية وترفض تركها والمسألة ليست شكليه ولا تتعلق “بالملاءة السوداء” فهناك من يبدو للوهلة الأولى عصري ومنفتح الا أن رواسب الجاهلية و”وأد البنات” بمعناها المجازي بداخله وتشهد قضايا المحاكم ظلم الأخوة الذكور لشقيقاتهم الإيناث وزواج القاصرات ومنع التعليم وفتاة يرفض أهلها تزوجها لاستغلال راتبها أو لاعتنائها بوالديها حتى يتفرغ الأشقاء لزوجاتهم! يبدو أن هناك “صبرية” أخرى مقهورة بين كل عشرة بيوت.

اقرأ أيضاً: البومة المتمردة .. “غادة السمان” كاتبة الاعتراف والتعرية

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع