سوريون دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم السياسية.. شيخ فنان سياسي وآخرون

الممثل محمد رافع، الشيخ البوطي، المعارض مشعل التمو _ انترنت

ذكرى رحيل الممثل الشاب “محمد رافع”  بسبب موقفه المؤيد للحكومة السورية

سناك سوري _ دمشق 

قبل سبع سنوات فقدَ الممثل السوري “أحمد رافع” وعائلته الاتصال بابنهم الممثل الشاب “محمد” بعد فترة من خروجه من المنزل في حي “برزة” بدمشق يوم 2 تشرين الثاني 2012.

بعدها بيومين تلقّت العائلة نبأ العثور على “محمد” مرمياً في أحد البساتين بعد أن خسر حياته إثر تعرضه لعدة رصاصات أطلقها خاطفوه ومغتالوه.

كان “محمد رافع” ممثلاً شاباً في الثلاثين من عمره، تعرّف إليه متابعو الدراما السورية في العديد من الأعمال التلفزيونية وأبرزها مشاركاته في الأجزاء الثلاثة الأولى من مسلسل “باب الحارة”، وعلى الرغم من تعبير عدد واسع من الممثلين والفنانين في “سوريا” عن مواقفهم السياسية في مطلع الأزمة إلا أنه لم يكن من المتوقّع إدخالهم في دائرة الاستهداف.

وكان “رافع” قد عبّر في أكثر من مناسبة عن موقفه المؤيد للحكومة السورية شأنه شأن كثير من الممثلين والمدنيين الذين اتخذوا مواقف مؤيدة أو معارضة للحكومة دون أن يكون في تعبيرهم عن هذه الآراء والمواقف أي أذىً لغيرهم.

ضجّت وسائل الإعلام المحلية حينها بنبأ اغتيال “رافع”، ولم يكن للفاعلين أن يخجلوا من فعلتهم وعلى العكس من ذلك أعلنت كتيبة “أحفاد الصديق” المعارضة مسؤوليتها عن اغتيالها، وخرجت ببيان افتخرت فيه بالجريمة متهمة “رافع” بالتعامل مع الأجهزة الأمنية.

في حين أثارت صورة والده “أحمد رافع” بجانب قبره حزناً واسعاً في أوساط السوريين الذين أفجعهم اغتيال “رافع” الذي لم يكن سوى شاب مدني يمتهن التمثيل دفع حياته ثمناً لتعبيره عن موقفه السياسي وكان أول الضحايا من الممثلين السوريين خلال الأزمة.

مشعل التمو

لم يكن “محمد رافع” بطبيعة الحال أول شخصية معروفة من خارج الأطراف العسكرية يتم استهدافها، إلا أن نموذج “مشعل التمو” يبدو مختلفاً عن “رافع” سواءً لناحية الاصطفاف السياسي أو لناحية طبيعة مهنته ونشاطاته.

ابن مدينة “الدرباسية” بريف “الحسكة” المهندس “مشعل التمو” انخرط في العمل السياسي في وقت باكر من حياته، وانتسب إلى حزب “الاتحاد الشعبي الكردي” على مدار عقدين من الزمن، وعرف خلال فترة التسعينيات بأنشطته المعارضة لسياسيات الحكومة.

أسس “التمو” في “القامشلي” عام 1999 ما سمي “لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا” و “منتدى جلادات بدرخان الثقافي”، وبحلول العام 2005 قرر “التمو” تأسيس تيار أطلق عليه اسم “تيار المستقبل”.

اقرأ أيضاً:“البوطي”.. العلامة الذي قتلوه في المسجد دون أن يشفع له كبر سنه ومكانته !

اعتقلت الأجهزة الأمنية “التمو” عام 2008 وبقي في السجن حتى تموز 2011 حينما أطلق سراحه في خضم الحراك الذي كانت تشهده البلاد، فيما سارع “التمو” إلى معاودة الالتحاق بأنشطته السياسية المعارضة فالتقى مع الجهات المعارضة التي نشطت في مختلف المناطق السورية لاسيما في الشمال الشرقي، وأدلى بمداخلة صوتية في مؤتمر “الإنقاذ الوطني السوري” الذي عقدته المعارضة في “إسطنبول”.

ثم اختير لعضوية الأمانة العامة في “المجلس الوطني السوري” المعارض، بينما بقي “التمو” في الداخل السوري ولم يغادر إلى الخارج حيث كان يشارك بنفسه في التظاهرات الاحتجاجية، في حين نشبت خلافات بين “التمو” وتيارات سياسية ناشطة في الشمال الشرقي وأبرزها حزب “الاتحاد الديمقراطي” نتيجة تباعد الآراء بين الطرفين.

في أيلول 2011 تعرّض “التمو” لمحاولة اغتيال فاشلة، ما دفعه إلى الحد من نشاطاته العلنية، إلا أن الجهة التي تربّصت به كرّرت المحاولة حتى وصلت إليه ثانية واغتاله 4 مسلحون مجهولون في تشرين الأول 2011.

لم يتم التثبت من هوية القتلة ولا من الجهة التي وقفت وراء الحادثة، ففي الوقت الذي سارعت فيه المعارضة السورية والولايات المتحدة إلى اتهام الحكومة السورية باغتياله، وصفته “دمشق” عبر وسائل الإعلام الرسمية بـ”الشهيد” وقالت السلطات حينها أنه قتل على يد إرهابيين.

بعيداً عن هوية القاتل أو الجهة التي استهدفت “التمو” إلا أن الواضح في اغتياله أنه كان سياسياً ناتجاً عن مواقف “التمو” وآرائه المختلفة مع عدة أطراف، إضافة إلى الأثر الذي تركه اغتياله إعلامياً كواحد من أبرز الوجوه المعارضة التي تم استهدافها بشكل مباشر.

الشيخ “البوطي”

حين وصل العنف في “سوريا” إلى ذروته، اتضّح أن النزاع لا يملك مقدسات أو خطوطاً حمراء، وبالطبع لا يحتاج القاتل إلى ذريعة لارتكاب جريمته، ففي وسط الفوضى والخراب لا مكان للعقل ولا للمنطق.

الشيخ “محمد سعيد رمضان البوطي” الذي عرفه السوريون منذ سنوات طويلة، وهو يظهر على شاشة التلفاز بصوته الهادئ ومواضيعه الدينية التي تبنّى عبرها مبادئ الدعوة إلى السلام ونبذ العنف.

إلا أن الشيخ صاحب المؤلفات العديدة في التفسير والفقه وأصول الشريعة لم ينجُ هو الآخر من عنف الصراع السوري، وكان لتعبيره عن موقفه الداعي إلى الابتعاد عن لغة السلاح واستخدام العنف دوره في وضعه على قائمة الاستهداف.

فحين كان الدين وسيلةً لدى الجماعات الجهادية المتطرفة كي تجنّد المزيد من الأتباع وتضفي صيغة إيمانية على أيديولوجيتها العنفية، في سبيل وسم الجرائم التي ترتكبها بأنها جهاد في سبيل الله وأعمال مؤمنة تقرّب مرتكبها من الجنة.

بينما كان “البوطي” يحاجج تلك الأفكار بالشواهد والنصوص الدينية التي كان ضليعاً بها، راح يطالب خلال خطبه التي تواصلت في مطلع الأزمة السورية بالابتعاد عن الفتنة والفوضى والعنف لكن ذلك لم يعجب أحدهم.

في 21 آذار 2013، كان “البوطي” يقدّم درساً دينياً في تفسير القرآن، ضمن مسجد “الإيمان” بحي “المزرعة” حين تمّ استهدافه بانفجار أودى بحياته برفقة حفيده إضافة إلى أكثر من 40 إنساناً من الحاضرين في المسجد وعشرات من الجرحى جرّاء الحادثة.

أكّدت تلك الحادثة أن لا مكاناً محرّماً على العنف، وأن آلة القتل التي بدأت بنهب أرواح السوريين لن تتوقف عند أعتاب مسجد أو عند عمامة شيخ في الرابعة والثمانين من عمره، ولن يكون للقاتل أن يفكر بحياة العشرات الذين تصادف وجودهم لحظة ارتكاب جريمته.

انتهك القتل والعنف خلال سنوات الأزمة السورية كل المبادئ الإنسانية، وكل معايير تقبّل الآخر واحترام رأيه، وربما في عرضنا للنماذج الثلاثة السابقة اختصار مكثّف حاولنا خلاله التعبير عن أن الكثير من السوريين المدنيين من مختلف المجالات والمشارب دفعوا حياتهم ثمناً لآرائهم، وأصبحت كلمة واحدة يقولها السوري سبباً في وضعه ضمن دائرة الاستهداف وقد يخسر حياته بسببها، وفي ذلك أقصى تجليات المأساة السورية التي امتدت لسنوات ولم تنتهِ بعد، فما آن الأوان لإعادة النظر بكل ماحدث والتفكير بخلاص لهذه البلاد قائم على قبول الآخر والحوار والشراكة الوطنية!.

اقرأ أيضاً:سوريا: إعلان عن محاولة اغتيال “نبيل فياض”

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع