“تيزيني”.. رحل وهو مؤمن أن التقسيم هراء وأن قيمتنا نأخذها من الآخر الذي يخالفنا!

الفيلسوف العالمي الراحل "الطيب تيزيني"

حين صدور النتيجة الامتحانية.. كيف تصرف “الطيب تيزيني” مع طالبه الذي اختلف معه في الرأي واشتد النقاش بينهما بنبرة مرتفعة من قبل الطالب؟

سناك سوري-دمشق

توفي المفكر السوري “الطيب تيزيني”، مساء أمس الجمعة في “حمص”، التي اختار أن يكمل حياته فيها بعد أن قرر الانسحاب من الحياة السياسية عام 2012 وكتابة سيرته الذاتية.

المفكر الذي اختارته المؤسسة الألمانية الفرنسية عام 1998، واحداً من أهم 100 فيلسوف في العالم، قال عام 2014 حين تلقى تعزية بالشيخ الراحل “محمد البوطي”، الذي كان خصمه في الجلسات الحوارية والمناظرات: «لم يقتلوه عندما قتلوه، بل قتلوني أنا.. اغتالوا المكافئ والخصم العنيد والمملوء، وتركوني وحدي أحاور ذاتي، ولا أجد من أتحاور معه»، مضيفاً عبارته الشهيرة: «إن قيمتك تأخذها من الآخر الذي يخالفك، وليس ممن يوافقك الرأي، وعندما تفقد خصمك تفقد ذاتك».

يقول الصحفي السوري “اسماعيل مروة” في إحدى مقالاته، إن الخلاف بينه حين كان طالباً وبين “تيزيني” الذي أصبح أستاذاً له، أصبح على أشده وتطور مرات كثيرة لنقاشات بنبرة مرتفعة، وحينها ظنّ أنه لن ينجح في المادة التي يدرسها “تيزيني” أبداً، قبل أن تصدر النتيجة ويفاجئ بالدرجة التي فاقت توقعاته كما يقول.

توجه “مروة” ابن مدينة “معربا” بريف “دمشق”، إلى مكتب أستاذه يسأله عن السبب، ليبادره بابتسامه هادئة مؤكداً له إنه لا يذكر أنه تعاطف معه أو حمل عليه، مضيفاً له: «النقاش يا بني للفكر والإغناء، والدرجة لما تكتبه في ورقتك.. لا يمكن للأسوياء الذين يريدون إغناء الفكر أن يحملوا الحقد على من يخالفهم إلى الوقت الذي يحين فيه الانتقام.. مبارك لك درجتك وتأكد بأنك تستحقها».

اقرأ أيضاً: “البوطي”.. العلامة الذي قتلوه في المسجد دون أن يشفع له كبر سنه ومكانته !

العودة إلى “حمص”

رفض المفكر الراحل مغادرة “حمص” رغم ما حل فيها من دمار، حتى حين قرر العودة إليها والاستقرار فيها اختار أشد أوقاتها معاناةً، يذكر الصحفي “مروة” أن “تيزيني” مازحه مرة وقال له إنه لا يستطيع الخروج من “حمص” لأنه حمصي ولأن على “حمص” أن تبقى مليئة بالحماصنة.

“تيزيني” الذي زار كبرى مدن العالم مثل “النمسا” و”برلين”، يقول: «وجدت نفسي أزور حمص فيها مرات ومرات متعددة في مدن متعددة، هذا ما يجعلني أشعر بشيء من الأسى، أنَّ حمص كانت وما تزال تعاني شظايا هذا العالم».

“داعش” نتيجة الغرب الاستعماري

في لقاء له قبل حوالي العامين، رأى “تيزيني” أن “داعش” «ظاهرة عالمية بقدر الإفقار والإذلال واللاكرامة التي يعيشونها في بلدانهم، هؤلاء قتلة لكنهم أيضًا ضحايا، قد يكون بعضهم الآخر مجرمين، فهم لا يملكون شيئًا».

المفكر الذي وصفه مرصد الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا أنه “مؤذّن حمص وفيلسوف العرب”، يعتبر أن التخلص من “داعش” يحتاج أن نبني عالماً جديداً، وذلك لأن التنظيم «نتيجة الغرب الاستعماري المتجبر والشرق الذي أصبح مقلدًا للغرب يحاول أن يفعل ما يفعله. لقد نشأ داعش عالميًّا لكن في النية الخفية غير المرئية».

اقرأ أيضاً: 21 عاماً على رحيل رئيس جمهورية الشعر بأغلبية الأصوات!

شيء ما يحدث ولن ينتهي!

ينظر “تيزيني” إلى الحرب السورية بشيء من الايجابية حتى مع مرور 6 سنوات عليها، حين قال آنذاك في لقاء مع صحيفة الأخبار اللبنانية عام 2017 إن «الطبقة الوسطى ما زالت موجودة، وستكون قادرة على لم الشمل مرة جديدة. إنّ شيئاً ما يحدث ولن ينتهي».

الفيلسوف الذي تنبأ بالحرب السورية منذ عام الـ2000 اعتبر أن مظاهر التقسيم مجرد “هراء” لن يتحقق، لكونها «لا تمتلك الشرعية التاريخية. كل تلك المناطق التي قسمت ستلتئم في لحظة تاريخية، والناس الذين يعيشون في هذه المناطق ينتظرون اللحظة كي يعودوا الى سوريتهم الأساسية. لذلك، أرى أن هذا الذي يحدث إنما هو ضحك على التاريخ، ولعبة أمم مخفقة وفاشلة ودنيئة. سوريا لا يمكن تقسيمها».

حتى العام 2017، لم يطرأ أي تغيير على أحلام الفيلسوف الراحل، فكما يقول إن «سوريا هي حلمي، لا أملك حلماً آخر. ازداد هذا الحلم حضوراً في حياتي، بخاصة بعد زيارتي إلى ألمانيا وتقديمي محاضرة أمام مستشرقين كان سؤالهم الأكبر: هل تعود سوريا؟ قلت لهم: أريد أن أسمع آراءكم أنتم. قالوا: سوريا التي نعرفها لا يمكن انتزاعها من أرضها. قلت لهم: هذا رأيي. حينما تسقط سوريا، يسقط العالم، وهذا لن يحدث».

“تيزيني” الذي رحل عن عمر ناهز الـ85 عاماً، من مواليد “حمص” عام 1934، تنقل في عدة دول مثل “تركيا” و”بريطانيا” و”ألمانيا” لدراسة الفلسفة التي حصل على شهادة الدكتوراه فيها عام 1967، ثم الأستاذية في العلوم الفلسفية.

صدر أول كتاب له باللغة الألمانية عام 1972 بعنوان “تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة”، وبعد ذلك صدرت له العديد من الكتب باللغة العربية مثل “التراث والثورة”، و”من يهوه إلى الله”، وغيرها الكثير.

اقرأ أيضاً: في ذكرى رحيل “أيقونة الرقة”.. حكاية صانع الحكايا

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع