الرئيسيةرأي وتحليلسناك ساخر

الغريب للكلب نسيب _ شاهر جوهر

الكلب الألماني يتقاضى راتباً شهرياً وتأميناً صحياً وأموراً لا نفهمها في مواطنتنا

على الممشى القريب من مركز إقامتي الجديد والذي أصرف به معظم وقتي كمواطن غريب، أجدني أمارس رياضة المشي كلما تشنج قولوني أو لازمني الاكتئاب.

سناك سوري _ شاهر جوهر

وهي عادة دخيلة على حياتي، كنت أمارسها في سوريا خلال السنوات السالفة كنوع من الجري اليومي وراء جرة الغاز و خلف رئيس الجمعية الفلاحية وخلف رغيف الخبز وقبلها هرباً من قذيفة أو من مقاتل بلحية وآخر لا يؤمن بلحية حتى أدركت حرفياً ما يعنيه أن يركض السوري أعرجاً حين يكون “الرغيف خيّال”.

جاءت عادتي هذه بناءً على نصيحة طبية لا أكثر، حين أصر عليّ الطبيب الألماني أن أتبعها، فالأطباء هنا حين يخفون عجزهم عن علاجك يكررون نصيحتهم الاخيرة بشرب الماء والجري، تماماً كما حين نعجز فنجعل آخر الداء، كما أوله، في التحاميل والكي.

في هذه البلاد قد ترى العديد من الأشياء الغريبة ليس فقط في الروشيتات الطبية، لكن أكثر وأول ما يشغلك هو ما يعنيه أن يهتم المرء هنا بالكلاب تماماً كاهتمامنا بأطفالنا.

مقالات ذات صلة
اقرأ أيضاً:هل أعاد كأس العالم لنا قيمنا؟ -شاهر جوهر

ففي ممر فرعي ضيق لا يستوعب أكثر من رجل وكلب اعترضني اليوم عجوز ألماني أصهب، كان يرتدي طاقية ربع مائلة مثل طاقية محمد الماغوط ومعطفاً كمعطف محمود درويش ووشاح كوشاح سميح القاسم وحقيبة كحقيبة نجيب محفوظ، وبينما وقفت أرقب هيئته الأدبية نسيت كلبته الشقراء تحته والتي كانت عكازه في هذا الحي حين قمت بالدعس عليها بلا علم. فأنا ككل اللاجئين الجدد هنا أول فعل نقوم به هو رشق كلابهم والدهس عليها ثم نعتذر بمكر، وهو أمر لربما اعتاده هذا العجوز.

لكن على غفلة تدحرجت كلبته بين ساقاي لا تلوي على غير الصراخ بوجه عبوس وكتفين عريضتين، وهي ميزة كلاب البلدوغ على أي حال، ثم شخرت حتى ثار لعابها حين حاولتُ دفعها عن قدمي. وأنا ابن الريف والريفي يعي جيداً أن الكلب الذي يشخر لا يعض، حتى وإن رأيته نمراً في حيه أو مع صاحبه ما هو إلا قط وديع بذيل معقوص ومرتجف في حي آخر.

اقرأ أيضاً:فرصة الدراما لتغيير الواقع _ شاهر جوهر

لكنني تذكرت أنني في ديار هذا الكلب، وهنا كما عادتي غلبتني الذكرى إلى أمي ونصائحها، فمهما بلغ المرء فإنه يساق طوعاً وكرهاً إلى نصائح أمه، قالت لي قبل أن أغادر سوريا «يا غريب كون أديب»، وهذا لمن لا يعلم أول مبدأ من مبادئ الاندماج بأي مجتمع جديد.

لذا كان ينبغي التأدب مع هذه الكلبة والتي هي ابنة هذا العجوز الهادئ “وليس في القول شتيمة له على أي حال”، فقد خلق الله الألماني ليكون في خدمة كلبه فهو يحرسه ويحميه ويلاطفه.

تماماً كما خلق الله الكلب ليكون في خدمة الريفي في بلادنا. لذلك فإن هذا الكلب هو فرد هذا العجوز الوحيد الذي يعفى من الضرائب ومن الجندية حين يستدعي البلاد النفير، كما أنه يتقاضى راتباً شهرياً وتأميناً صحياً وأموراً أخرى لا نفهمها في مواطنتنا، وهي امتيازات لو حصلنا عليها في بلادنا ما كنا هجرناها.

لهذا كله بادرت للاعتذار، ولو طلب مني ذاك العجوز أن أقبّل رأس كلبته لفعلت، فالغريب للكلب نسيب. وعليه قام العجوز بالطلب من كلبته أن تتوقف عن أذيتي بنباحها فاستجابت له طائعة.

دعني أوضح أمراً، كلاب البلدغ هي أحد أكثر السلالات شهرة في الخارج، إذ تحظى بشعبية كبيرة لأنها من الكلاب الرفيقة واللطيفة والرقيقة غير المؤذية.

كما تصنف أنها من الكلاب العائلية من الطراز الأول، وتتوافق مع الكل، البالغين والأطفال على حد سواء. لكن لا علم لي لما لم تتوافق معي حتى استمرت تشخر مكشرة عن أنيابها في وجهي.

اقرأ أيضاً:“صدمة موسيقية” أم “موسيقى بديلة”؟ – شاهر جوهر

وكبادرة حسن نية سألني هذا العجوز الطيب إن كنت من سوريا، فهززت رأسي بالإيجاب، حتى لو لم أجبه فسمرتي هي هويتي، فأنا أستطيع معرفة السوري هنا من بين ألف سلالة، فهذه السُمرة هي هويتنا التي دفعت كل كلاب الأرض لعضنا والنباح علينا حتى بلغنا هذه البلاد.

ولو تمت مقارنة الأمر فيما بيننا، فمعاملة الكلب لدينا تنسحب على معاملة الأكثر تجبراً على الأكثر ضعفاً. فهي تماماً كعلاقة أي حكومة شرقية بأحد رعاياها، فهي تنتظر منه الحراسة والحماية لقاء كسرة خبز يابسة ترمى إليه في كوخه، وإن لم يُسد جوعه وجوع جرائه ولعق جوعاً ويأساً بصحن الحكومة فأطلقوا عليه النار وصاحوا “هذا مواطن مسعور” ثم دأبوا يتطهرون بإيمان يغسلون دمه على أيديهم سبع مرات بالماء ومثلهن بالطين.

حكوماتهم تجعل من الكلب مواطناً ذي شأن وله نصيب من قوانينها، في حين أن أحدنا ما أن يخط شارباه سهماً للريح ويرغب في تأسيس حياته كأي رجل بالغ حتى تجعله حكوماتنا طرديتها في دفع الضرائب والانخراط بالجندية ليكون ابن ستين كلب تطارده في المزابل والحارات حتى استحال شريداً ضالاً على ما هو عليه اليوم.

لأن الكلب الذي يصرف نهاره في الركض ويعوي جوعاً ويسرق أحذية المصلين في المساجد وقد أكلته البراغيث ثم يرمى بكسر من الطوب والنعال وأقذع أنواع الشتيمة من أهله ما هو إلا الكلب المحلي رغم كل ما يفعله من حراسة وحماية وإنتاج وبطولة.

وأخيراً وما إن يدق جرس النفير حتى تنبهوا لدوره في الدفاع عن الوطن فنهضوا ينفضون عن ثوبهم الكسل ليعلنوا الطقوس الوطنية بقص ذيله وقطش أذنيه، ثم غنوا له في الإعلام على موسيقى جنائزية فجعلوه نمراً، وهم بذلك يكسرونه من حيث أرادوا به جبراً، فيا لضيعة العمر.

اقرأ أيضاً:عُقدة التسعينيات وعُقد 2022 ومابعدها- شاهر جوهر

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

زر الذهاب إلى الأعلى