الحرفي محمد الحلاق: يللي بايدو صنعة بيملك القلعة

الحرفي محمد الحلاق في مكان عمله بدمشق القديمة

“الحلاق”: الشام متل الزجاج اللامع البراق، أجت الحرب وغبرتها بس تنفضها ترجع متل ماكانت

سناك سوري – صفاء صلال

يستمر “محمد الحلاق” الملقب “أبو نعيم”، آخر شيوخ كار صناعة “النفخ بالزجاج وزخرفته” بمناكفة الظروف الاقتصادية التي تكاد تقضي على مهنته، المهنة التي تعبر عن تاريخ بلاده وتوارثها حفيداً عن جد.

على الطرف المقابل لقوس “باب شرقي” في “دمشق” القديمة، وبعيداً عن ضوضاء المنطقة التي كانت قبل زهاء أعوام من الآن تحت مرمى القذائف، بالقرب من ضوضاء حرارة فرن مشتعل تصل حرارته إلى أكثر من ألف درجة مئوية، يمد “أبو نعيم” أنبوبه المعدني داخل بيت النار الشديد الحمرة والحرارة، ليلتقط فيه من الزجاج المذوب الذي وضع في الفرن، فينفخ عبر الأنبوب من روحه بالزجاج لتأخذ الكتلة الشكل المطلوب صنعه

لا يكترث “أبو نعيم” بحرارة الفرن الذي يقضي جلّ يومه أمامه معتمداً على مروحة صغيرة وضعها بالقرب منه، لا تقيه حر بيت النار، همه الشاغل “السبات” الذي دخلت فيه مهنته منذ بدء الحرب الدائرة في البلاد وتردي الأوضاع الاقتصادية، ومحاولته إيقاظ المهنة من سباتها بكل قوته، حسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: “عكاش” حرفي يجاهد للحفاظ على حرفته في صناعة البسط اليدوية

يحكي “أبو نعيم” لسناك سوري عن تأثر مهنته بالظروف الاقتصادية فيقول: «الحرب أثرت على الصناعات اليدوية بشكل كبير، خاصة أن مصالحنا تُعتبر مصلحة كمالية وليست أساسية وتعتمد بالدرجة الأولى على السياح، والسياحة أوقفتها الحرب»، ويضيف:« لم يبق إلا قلة من الحرفيين “شيوخ الكار” الأساسيين والأوفياء آثرنا البقاء والمحافظة على حرفنا فلا يمكننا العمل في أي عمل آخر غيرها».

يواجه “أبو نعيم” الذي انتصف عقده السادس، صعوبات كثيرة حالياً، مثل «ساعات التقنين الطويلة للكهرباء التي جعلتنا نعتمد في تشغيل الفرن على “المولدة” والمولدة تحتاج للمحروقات هذا ما نتج عنه مصروف آخر على عاتقنا، حتى بلغت نسبة الزيادة أكثر من 200% ».

يفصل “أبو نعيم” بدقة أكثر: «قبل الحرب كان يكلف الكيلو غرام الواحد من الزجاج 2 ل.س بينما الكيلو اليوم 70 ل.س, كانت تكلفة نوع من الأصبغة المستوردة الكيلو غرام منه 4000 ل.س بينما يصل اليوم من 290 ألف ل.س إلى 300 ألف ل.س، ويضاف تبديل الأنابيب المعدنية المستعملة كل أسبوعين والتي تُكلف الواحدة حوالي 14 ألف ل.س، الفرن الصغير يكلف صناعته حوالي 8 مليون ل.س، مثلاً تكلفة الكاسة الزجاجية كانت 50 ل.س بينما اليوم 1800 ل.س»، منوهاً بأن العمل اليوم ينحصر على الطلب فقط.

ليست الصعوبات الاقتصادية وحدها التي تعترض عمل الحرفيين وإنما جائحة كوفيد 19 التي أوقفت العمل لشهرين خلال الحجر الصحي الذي فرضته الحكومة السورية دون أدنى تعويض للحرفيين بدمشق العام الفائت، كما يقول “أبو نعيم”.

اقرأ أيضاً: صناعة القش.. تراث يعود على يد شابة

يشير الحرفي لعاملين أساسيين يساهمان بانقراض المهنة، الأول الحرب والأخير دخول التقنية المتطورة القادرة على تأمين كميات أكبر بسرعة من أفراننا البسيطة لكن رغم تقدمها لا تقدم أشكالا متنوعة كالحرفة التقليدية، يقول الرجل إن وجع الحرفي كبير يحتاج إلى من يضمد هذه الجراح.

ويضيف، أن غالبية الحرفيين باقيين في البلاد «رغم أنف الظروف سنقاتل من أجلها مهنتنا متل ولادنا منحبها ونضحي كرمالها لو كنا خسرانين مادياً».

شغف وحب المهنة رافقا أبو نعيم منذ عقده الأول، بدأها مع والده الذي ورثها عن أبيه واستمر فيها إلى ما بعد رحيل الأب والجد، فيما لم يبق اليوم سواه وشقيقيه يحترفان صناعة الزجاج التقليدية بالنفخ، ولا يزالان يعملان بالتوارث رغم تفضيل عدد من أولادهما أعمالا أخرى عن العمل بالمهنة.

يمسك الرجل كأساً من بين عدة كؤوس وضعت ضمن صناديق بلاستيكية فوق بعضها ترك الوقت غباره عليه، ويعلق: «هذه المهنة تحمل ذكرى من علمني إياها فهي غالية وعزيزة»، يتوقف الرجل عن الحديث، ينفخ على الكأس ويمسحه بطرف قميصه ويتابع حديثه :« الشام متل الزجاج اللامع البراق، أجت الحرب وغبرتها بس تنفضها ترجع متل ماكنت ».

يستذكر “الحلاق”  أيام زمان أو كما وصفها بـ”أيام الخير بالنسبة لمهنته” عندما كان العمل يأخذ منه كل وقته وجهده بينما يعود للحاضر ويستكمل ” لا تصح المقارنة”.

يتوقف الرجل للحديث عن “مرارة أيام الحرب” كما وصفها: «كنا نعمل وكانت القذائف تسقط بالقرب منا فقدنا بسببها شاب وجرح 8 آخرون، برغمها شاركنا في 10 معارض كرسالة أننا لازلنا قادرين على العمل والعطاء، ويختم حديثه بالقول: «يلي بايدو صنعة بيملك القلعة، لازم تعشقها وتحس فيها حتى تحس فيك وتقدر تبدع وهذا يلي بيميز الحرف التقليدية بشكل عام وصناعة النفخ بالزجاج بشكل خاص».

وتعتبر صناعة الزجاج التقليدية محصورة ضمن عائلة “القزاز” الدمشقية، واليوم عائلة “الحلاق” هي الوريث الوحيد لها عن جدهم.

اقرأ أيضاً: فن السدو.. حرفة تراثية يهددها التمدن بالإنقراض

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع