الرئيسيةرأي وتحليل

التضامن بالفستان الأسود مع نساء يعانين المرض والإهمال _ لينا ديوب

فتاة تتلقّى الجرعة بدون إفطار .. العادات والفقر يزيدان معاناة مريضات السرطان

ارتديت فستاناً بأرضية سوداء مزينة بزهور بألوان زاهية، في طريقي لتلقي الجرعة الخامسة من العلاج الكيماوي لمرض “السرطان” ظنّاً منّي أنّي بذلك أتضامن مع زميلاتي المريضات ومرافقاتهنّ.

سناك سوري _ لينا ديوب

في أروقة المشفى. تنتشر النساء اللواتي يرتدين جلابيب سوداء طويلة وثياباً ثقيلة بين غرف أمراض الدم في الطابق الأخير من المشفى. والذي يرزح تحت شمس عمودية حادّة منذ الواحدة والنصف ظهراً وحتى المغيب بعد السادسة مساءً.

وبينما كانت زميلتي المريضة في السرير المجاور تئنّ تحت وطأة الألم والحرّ فقد كانت أختها ترفض رفع غطاء الرأس عنها نظراً لدخول أطباء ذكور إلى الغرفة. ليجتمع الحرّ مع آلام الرأس الناتجة عن الجرعة ونقص الخضاب الذي تعاني منه المريضة.

من سريرٍ آخر أقبلت والدة مريضة نحوي لتشتكي الحرّ الشديد بعد رحلة طويلة تكبّدت عناءها من أقصى البلاد وصولاً إلى العاصمة. فأجبتها ببساطة أن تخلع عباءتها السميكة لكنها ردّت بأنه لا يمكنها ذلك لأنها مفروضة على النساء.

وتتوالى المريضات القادمات لتلقّي الجرعة أو لنقل الصفيحات والخضاب. ومع كل قادمة جديدة يتأكد لي أن تردّي حالتهنّ الصحية لا يعود للإصابة بالمرض فقط. بل لأسباب أخرى أيضاً كالإهمال والعادات وصولاً إلى أبشع الأسباب وهو الفقر.

إهمال أصعب من المرض

آباء وأزواج كثر يتكبّدون عناء مرافقة المريضات من أحياء بعيدة وقرى من مختلف المحافظات للوصول إلى المشفى في “دمشق”. لكن ذلك لا يترافق في كثير من الحالات مع الاهتمام المطلوب سواءً لناحية التغذية أو رفع المعنويات بكلمات داعمة. الأمر ذاته ينطبق على أمهات يرافقن بناتهن إلى سرير المشفى دون أن تتناول المريضة وجبة إفطار حتى إذ تتضور الفتاة جوعاً قبل تلقّيها للجرعة.

على مدى 5 أشهر من مواعيد الجرعات والزيارات الإسعافية. شاهدت معاناة المريضات من الإهمال واستعدتُ مشروعاً للهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان بدأ عام 2007. وتمحور حول التمكين الصحي للنساء بالتزامن مع دراسة أجرتها جامعة “دمشق”. عن إهمال صحة النساء في العائلة حتى في حالة الشكوى من ألم ما. إذ لا تكون أولوية الأسرة الإنفاق على تحرّي سبب الألم عند الأطباء. فتترك المرأة ضحية للإهمال والاستخفاف بشكواها.

تدهور مستمر

عانيتُ من فترة تثبيط طويلة بعد هذه الجرعة. اضطرتني للعودة للمشفى بحالة إسعافية ثلاث مرات، لنقل الدم والصفيحات وتسريب ادوية التهاب وريدية. وفي كل مرة كنت ألاحظ إما تراجع الحالة الصحية لإحدى زميلاتي في المرض، أو ازدياد عدد المريضات الجدد.

التضامن الحقيقي ليس بلبس فستان أرضيته سوداء. خاصة أنه بقماش رطب يرد حرارة الطقس، لكنه أيضاً لا يمنع حرارة الحمى التي يسببها المرض. التضامن الحقيقي بنشر الوعي حول كيفية الاهتمام بالصحة والتعامل مع المرض والمريضة. حتى في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة والفقر الذي يزيد صعوبة المرض والعلاج.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى