“أم عمار” وداعش …. نظرة الوداع الأخيرة!

أم عمار وقد تم تظليل وجهها احتراماً لرغبتها

حكاية أم عمار ونظرة الوداع الأخيرة التي لم تنظرها

سناك سوري – عفراء بهلولي

لم تستطع “أم عمار” إلقاء نظرة وداع أخيرة على منزلها بما يحمله من ذكريات في مدينتها “جرابلس”، لقد كانت مؤمنة أنها ستعود بعد مدة قصيرة لكن القدر لم يستجب لها مثل كثير من السوريين.

تقول السيدة الأربعينية لـ “سناك سوري”: «يحز في نفسي أني تركت صور أطفالي هناك، كذلك تركت مشهد (توديعي) الصباحي لهم وهم في طريقهم إلى المدرسة».

تستغرب المرأة السورية كل ماحدث، كيف أن كل الأطراف تتحدث باسمها كمواطنة، وبنفس الوقت يتحمل الطرفان “الحكومة والمعارضة” مسؤولية كل ما عاناه هذا المواطن المغلوب على أمره، تتساءل بحسرة ماذا جنوا من تلك الحرب؟، وتضيف: «في بداية الأزمة انقسمت “جرابلس” بين مؤيد ومعارض ومع تفاقم الوضع تحولت الأزمة إلى صراع مسلح وماهي إلا أيام قليلة حتى بدأت حركات متطرفة بالظهور في المنطقة وعاد الحال الى الانقسام مجدداً بين مؤيد للتطرف وبين معارض له، ثم ظهرت “داعش” وما أدراكم ما “داعش”».

في الفترة التي سيطر فيها “داعش” على “جرابلس” حكم على زوجها مرتين بالخضوع لدورات دينية وذلك بسبب مخالفة ارتكبتها الزوجة، تقول: «في المرة الأولى بسبب كفوف يدي الظاهرة، وفي الثانية لأن ابنتي كانت تنشر الغسيل عند الجيران ولم يتواجد معها أحد من إخوتها كمحرم، كان أمام زوجي خياران إما أن أجلد أنا وابنتي وسط الساحة أو أن يحضر الدروس الدينية الخاصة بالتنظيم، فكان الخيار الثاني الأكثر سهولة».

تسرح السيدة كمن يستعيد كماً هائلا من الذكريات المؤلمة ويظهر الحزن على وجهها إذ يبدو من شرودها أن الوجع الذي لاقته في مدينتها أكبر من أن يحكى، وأن المناظر التي شاهدتها تحتاج حياة أخرى تعيشها لتمحى آثارها من جديد.

في جرابلس داعش، اعتاد الأطفال على رؤية الإعدام الذي ينفذه التنظيم المتطرف وكأنه مشهد من أفلام كارتون، أو لعبة عابرة بين شخصين، لكن التنظيم كان له غرض آخر من إرسال الأطفال لمشاهدة عمليات الإعدام، تقول أم عمار: «كان أعضاء التنظيم يرسلون الأطفال ليراقبونا ويخبروهم إن كان أي شخص قد أظهر تعاطفاً مع الضحية التي أعدمت، ليأتي العناصر بعد ذلك ويعاقبوه، التأثر ممنوع لقد كانوا يريدون منا أن نعتاد على الموت فقط».

أمام الواقع السابق كان الهروب والنزوح الحل الأمثل من متابعة الحياة المفقودة أصلاً في كنف التنظيم المتشدد، تضيف أم عمار: «في البداية قمنا بتهريب ابني عمار (22 عاماً) إلى تركيا لقاء مبلغ 45 ألف ليرة، كان “عمار” يتمنى لو أنه يستطيع الدراسة في الجامعة، إنه يحرق قلبي في كل مرة يتحدث عن رغبته بالعودة إلى وطنه والتسجيل بالجامعة لكن الظروف أصعب، نحن بحاجة للمساعدة المادية التي يرسلها ابني، لكن ماذا نفعل هذا ليس خيارنا هو خيار الظروف التي تفوقنا قوةً، فنحن خاسرون في كلتا الحالتين .. هو يدرك هذه الحاجة ويدرك حاجتنا للنقود التي يرسلها فتأتي التضحية منه على شكل غربة وضياع لمستقبله».

أرسلت “أم عمار” ابنها الأول لتنقذه وينقذهم، ثم أتى دور ابنها الثاني الذي خافت عليه من التأثر بأفكار “داعش”، فقد كان التنظيم المتطرف يفرض على الأطفال مابين 11 و17 عاماً الخضوع لدورات دينية، يقومون بغسل أدمغة الأطفال من خلالها لدرجة أن الأطفال يتهافتون للانضمام إلى “داعش” فور انتهاء الدورات الدينية.

تقول الأم الخائفة على طفلها: «خططت مع زوجي لتهريب ابننا الثاني، هذه المرة كانت أجرة المهرب أكثر من 45 ألف فلم يكن لدينا خيار سوى بيع السيارة ونجحنا في تهريبه لعند أخيه في تركيا».

اتصلت بولدي عمار أردت أن أوصيه بأخيه، تقول ذلك وتغلبها الدموع و يتكسر قلبها ومعه تذوي قلوبنا خجلاً، تقاطع تلك اللحظة العابرة من زمن الحرب بلهجتها الحميمية فتقول: «قلت له “شنو أوصيك بأخوك بالله تنتبه عليه أخوك الصغير أمانتك ياعمار”، يرد علي عمار فيقول “يما تركيا باردة أبرد من جرابلس بكتير”، وبسرعة بدأت مع بناتي وبمساعدة الجارات نحيك 6 جرابات من الصوف السميك، واشتريت بالنقود التي تبقت من بيع السيارة بعد إعطاء المهرب مايريد بعض الملابس السميكة وأرسلتها معه».

وصل الأخ “فهد” إلى حيث يوجد شقيقه “عمار” في تركيا بعد رحلة طويلة فقد كان عناصر “داعش” اكتشفوا طريق التهريب مما اضطر المهرب و “فهد” الصغير أن يسلكا طريقاً آخر أطول بـ 8 ساعات، تقول أم عمار: «المهم أنه وصل بخير هلا “فهد” وعمار “يشتغلون” على جلاية بلاط وأمورهم بخير بعيد عن داعش».

غادرت أم الشابين اللاجئين مدينتها واختارت الإقامة في مدينة أكثر أماناً، ورغم تغير الظروف في “جرابلس” رفضت أن تعود إليها بعد أن غادرها عناصر التنظيم وحل مكانهم تباعاً مقاتلون من سورية الديمقراطية ومقاتلون من فصائل درع الفرات.

إلا أنها قررت استعادة ولدها الأصغر من تركيا، فحزمت حقائبها وذهبت إلى إدلب ومنها إلى الحدود التركية حيث التقته هناك وأعادته معها عن طريق التهريب أيضاً في مغامرة لا تصعب على أم بإصرار هذه السيدة، تقول: «سأعيده إلى المدرسة، هذا عهد قطعته على نفسي».

لا تخفِ “أم عمار” شوقها وحنينها إلى “جرابلس” مدينتها الجميلة حسب تعبيرها، تقول في ختام حديثها: « إنشاء الله إذا تحسنت الأوضاع منرجع.. اشتقت لجيراني وبيتي لحياتي.. لذكرياتي.. إن شاء الله رح نرجع».

 

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع