“أمين الحافظ” الرئيس الذي قاد المواجهات ضد الإخوان في حماة ورُبِطَ اسمه بالجاسوس “كوهين”

الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ _ الجزيرة

“أبو عبدو” الضابط تجاوز رئيس الدولة وذهب إلى مصر مع مجموعة الضباط وبايعوا عبد الناصر رئيساً لسوريا ومصر

سناك سوري _ محمد العمر

لم يتجاوز “أمين” الخامسة عشر من عمره حين دفعه حماسه للمشاركة في مظاهرة نظّمها حزب “الكتلة الوطنية” للتنديد بالاستعمار الفرنسي والمطالبة بخروجه من “سوريا”.

فشارك الصفوف التي راحت تجوب أحياء “حلب” القديمة بأصوات تطالب بالاستقلال إلى أن ألقت الشرطة الفرنسية القبضَ عليه خلال المظاهرة وأودعته السجن عام 1936 لبضع أسابيع.

تمثّل تجربة السجن الأولى على يد سلطات الانتداب أولى تجليّات المشاركة السياسية لـ”أمين الحافظ” المولود في حي “البياضة” العتيق في “حلب” عام 1921 والذي حمل منذ صباه شغفاً بالانضمام إلى الكلية الحربية إلا أنه قوبِل بالرفض في زمن الانتداب بسبب نشاطاته المعادية لـ”فرنسا” التي كانت تسمّي مناهضيها بـ”المشاغبين”!

إلا أن ذاك المشاغب تمكّن من الوصول إلى الكلية العسكرية والتخرّج منها عام 1946 ليشارك بعدها في حرب الإنقاذ عام 1948 إبان نكبة “فلسطين”، إضافة إلى انضمامه إلى صفوف حزب “البعث” العربي الاشتراكي نظراً لحماسه للقضايا العروبية والثورية.
في العام 1958 تجاوز “أمين الحافظ” ومجموعة ضباط آخرين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمان، وذهبوا إلى “القاهرة” عام 1958 عارضين “سوريا” على الرئيس المصري حينها “جمال عبد الناصر” من أجل إقامة الوحدة الفورية بين “سوريا” و”مصر” التي أعلن عنها رسمياً في شباط 1958 وتمّ نقله مثل عددٍ من الضباط السوريين إلى “مصر” حيث عُيّن مدرّباً في كلية أركان حرب وأوفد بعدها في بعثة عسكرية إلى “الاتحاد السوفييتي”

حلّ “البعث” نفسه وفق شروط “عبد الناصر” خلال سنوات الوحدة وعاد لجمع صفوفه بعد الانفصال عام 1961 إلا أن حكومة الانفصال كانت تعرف ميول “الحافظ” الوحدوية وانتماءه البعثي فتم إبعاده إلى “الأرجنتين” بصفة ملحق عسكري في السفارة السورية في “بيونس آيرس” حيث وصل إلى الأرجنيتن في العام 1962.

المواجهة مع الناصريين

بقي “الحافظ” في “الأرجنتين” حتى آذار 1963 حينما وصل “البعث” إلى السلطة فتم استدعاؤه إلى “دمشق” وتعيينه وزيراً للداخلية في أول حكومة تشكّلت بعد الثامن من آذار 1963 وعضواً في مجلس قيادة الثورة.

واجه “الحافظ” بعد أشهر من وصول “البعث” إلى السلطة محاولة انقلاب قائدها العقيد “جاسم علوان” ذو الميول الناصرية إلا أن “الحافظ” أفشل المحاولة واعتقل “علوان” مع عددٍ من أنصاره، وقد دفعت الحادثة قيادة “البعث” إلى اختياره رئيساً للجمهورية بدلاً من الرئيس”لؤي الأتاسي” المستقيل إضافة إلى تسلّمه قيادة الجيش بمساندة من الضباط البعثيين.

اقرأ أيضاً:أول رئيس سوري بعد 8 آذار 1963 ودَّع الحياة في مثل هذا اليوم

أحداث حماة في الستينات

وشهدت مدينة “حماة” التي كان محافظها “عبد الحليم خدام” في عهد “الحافظ” تحركّات لعناصر من “الإخوان المسلمين” الذين حملوا السلاح ضد “البعث” وانتشروا في المدينة، فترأس “الحافظ” لجنة خاصة لوأد الفتنة وفق تعبير “الحافظ” الذي تحدث عن مواجهات “حماة” واستهداف المسلحين لعناصر من الجيش السوري.

يؤكد “الحافظ” أن ما حدث في “حماة” كان فتنة وأنه نجح في إنهائها، فبعد تجمّع المسلحين حينها في “مسجد السلطان” وسط المدينة واستهداف جنود من الجيش السوري تبنّى “الحافظ” قصف المسجد وإنهاء التحرك المسلّح فيها معتبراً أنه أنقذ المدينة.

شهادته على العصر وكوهين

تجسّد سلسلة الحلقات التي بثّتها قناة “الجزيرة” عام 2001 في برنامج “شاهد على العصر” الذي استضاف “الحافظ” رؤيته للأحداث التي عاشها في ميدان السياسة وخاصة خلال فترة رئاسته بشكل يشبه توثيق المذكرات، ولعلّ أبرز الأحداث التي مرّت في عهد رئاسته لـ”سوريا” قضية الجاسوس الإسرائيلي “إيلي كوهين”.

ينكر “الحافظ” كلّ ما قيل عن علاقته مع “كوهين” ويؤكد أنه لم يتعرّف إلى “كوهين” في “الأرجنتين” وأنه غادر العاصمة الأرجنتينية قبل وصول “كوهين” إليها، ويضيف “الحافظ” أن المخابرات السورية هي صاحبة الفضل في اكتشاف الجاسوس الإسرائيلي مضيفاً أنه جرى تضخيم قدرات “كوهين” بعد اكتشافه والترويج لأنه وصل لمعرفة قيادات عليا في “سوريا” الأمر الذي نفاه “الحافظ” بالمطلق واستشهد بما كتبه الإعلامي المصري “عبد الهادي البكار” في كتابه “أسرار سياسية عربية” اعترف فيه بأنه لفّق حينها قصة زيارة “كوهين” إلى الجبهة السورية برفقة “الحافظ”.

بدوره يؤكد مدير مكتب “الحافظ” حينها “منذر الموصللي” في لقاء مع صحيفة الحياة اللندنية عام 2003 أن “كوهين” كان جاسوساً أقل من عادي وأن ما يروّج عن إنجازاته محض افتراء وتزوير، مؤكداً أن “الحافظ” رفض توكيل محامٍ أرسله الرئيس الفرنسي للدفاع عن “كوهين” الذي تم إعدامه في 18 أيار 1965.

وتتناقض المعلومات التي أوردها مسلسل “الجاسوس” الذي عرضته شبكة “نتفليكس” مؤخراً حول علاقة “كوهين” بـ”الحافظ” مع تأكيدات الرئيس السوري الأسبق أنه لم يسمع باسم “كوهين” ولم يتعرّف إليه إلا حين تمّ كشف أمره وإلقاء القبض عليه.

حركة 23 شباط

بحلول العام 1966 كان “البعث” يواجه انقسامات بين جناحي القيادة القومية والقيادة القطرية، كان “الحافظ” موالياً للقيادة القومية التقليدية للحزب التي تضم مؤسسيه “ميشيل عفلق” و “صلاح البيطار” إلا أن الجناح القطري الأكثر يسارية بقيادة “صلاح جديد” حينها كان يمتلك نفوذاً عسكرياً أكبر.

وفي صبيحة 23 شباط 1966 حُوصِر منزل الضيافة الذي يقطنه “الحافظ” بصفته رئيساً، ويروي أن الحرس الذين كانوا يحيطون بالمنزل واجهوا القوة العسكرية التي هاجمت سكنه للانقلاب عليه، مشيراً إلى أن المواجهة استمرت نحو 6 ساعات شاركَ خلالها في القتال وأصيبت ابنته وابنه الذين لم يتجاوزوا العاشرة من عمرهم حينها بجروح غير أن المعركة انتهت بالقبض عليه وإيداعه سجن “المزة” حتى حزيران 1967 حين أُفرج عنه وتم ترحيله إلى “لبنان”

أمضى “الحافظ” أو “أبوعبدو” كما يحلو له أن يطلق على نفسه بقية سنوات حياته في “بغداد” التي كانت تحت حكم “البعث” العراقي واستضافت البعثيين المنفيين من “سوريا” إلى أن جاء الغزو الأمريكي في نيسان 2003 حيث عاد إلى “سوريا” بقرار من الرئيس السوري “بشار الأسد” الذي أمر باستقباله كرئيس أسبق للجمهورية، فأمضى “الحافظ” آخر سنوات حياته في مسقط رأسه بـ”حلب” إلى أن نال منه المرض يوم 17 كانون الأول 2009 ليفارق الحياة في المشفى العسكري بحلب.

اقرأ أيضاً:ذكرى انتخاب أول رئيس جمهورية في التاريخ السوري !

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع