الرئيسيةشباب ومجتمع

أسموه مستّتْ.. كيف تكون أسماؤنا تأريخ لمزاج آبائنا؟

تسمية الأبناء ارتبطت بالكثير من الحوادث قديماً وأحدهم سماه “فرج” على نية الفرج من الحرب

سناك سوري – شاهر جوهر

قبل عدة أيام رزق صديق لي بطفلة صغيرة، من ثم وقف حائراً في إطلاق اسم عصري لها، فوقع خياره الأخير على اسم “ليلاس”، فهو كما يقول عصري ويلائم النمط الحديث رغم أنه لا يعرف ما يعنيه الاسم.

أنا أسكن في قرية بدوية منذ أكثر من خمس وثلاثين عاماً، واختيار اسم المولود الجديد فيها منذ القديم لا يتم بتلك السهولة والعبثية، فهو يتوقف على اعتبارات ثقافية ودينية وسياسية واجتماعية وحتى فيزيولوجية ونفسية محددة.

في نصف القرن الماضي مثلاً كانت أسماء الأشخاص على أطراف الريف بالتحديد تؤرخ لمراحل تاريخية معينة، إما لحوادث سياسية وقعت أو لكوارث طبيعية أو حتى أحداث شخصية، وهو أمر غير مستهجن لذاك الجيل، فيأتي اسم المولود الجديد كتأريخ لواقعة قد تكون مؤلمة أكثر من كونها سعيدة.

أعرف أحدهم قام الدرك الوطني في الستينيات بإلقاء القبض عليه وقد وجهت إليه تهمة باطلة، و خلال وجوده في الحبس أنجبت زوجته مولود أنثى فقامت زوجته بتسميتها (حبسة)، وذلك لتكون كتوثيق لتلك الحادثة.

يوضح “مستّتْ” و هو عجوز في الثمانين سبب تسميته الغريبة في حديثه مع سناك سوري فيقول: «حين ولدت خلقت بستة أصابع في كل قدم فقاموا بتسميتي “مستت”»، في حين قال آخر في حديثه :«إن والدته اسمها (عيدة) وذلك لأنها ولدت في عيد الفطر وجدّته اسمها (ضحيّة) لأنها ولدت في عيد الأضحى وعمته (شتوة) لأنها ولدت في يوم مطير، كما في قريتي شخص آخر اسمه (حصيدة) لأن والدته أنجبته وهي تمارس عملها في موسم الحصاد، و قس على ذلك الكثير كأن يولد رمضان في شهر رمضان وخميس يوم الخميس أو صباح وضحى وهكذا».

لكن مع مرور الوقت تبدلت الأسماء، فأخذت تنحو التقليد والرمزية أكثر من السابق، حيث بات يطلق الآباء على أبنائهم أسماء لشخصيات عشائرية أو وطنية أو ثقافية وفنية أو سياسية، مثلاً كثرت في الثمانينيات وحتى التسعينيات مع صعود التيارات القومية أسماء مثل ناصر أو جمال نسبة لـ”جمال عبد الناصر”، أو حتى أسماء تأخذ شعارات سياسية حينئذ، فقد سمعت أن أحدهم في شمال البلاد قام بتسمية ابنته (وحدة) لحبه للخطوة الوحدوية بين “سوريا” و”مصر”.

اقرأ أيضاً: باحث: تعريب أسماء الأماكن في سوريا يؤثر على الهوية والإنتماء

هذا وفي التسعينيات عادت للواجهة الاجتماعية أسماء عربية قديمة مثل (نورة) و(حسنة) و(عبير) و(ليلى) و (زينب) و(علي) و(عمر) وأصبحت موضة وأكثر عصرية، لكن هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة قبل ذلك، كما لا يمكن أن نغفل ما تفعله كثير من الأسر باتباعها عُرف قديم يتمثل في اتباع “الأبوة المتراتبة”، بأن يطلق مثلاً كل شخص اسمه (محمد) اسم (قاسم) على ابنه البكر والعكس صحيح، أو أن يطلق اسم (خالد) للمولود الأول إذا ما كان اسم الأب (وليد) أو اسم (عمر) للمولود (خطاب) أو (حسن) أو (حسين) للمولود البكر للأب (علي) والعكس صحيح. وذلك في رمزية دينية واضحة.

كما أن القاعدة الفقهية القائلة أن “خير الاسماء ما حمّد وعبّد” جعلت اسم كـ(محمد) أو (عبدالله) من أكثر الاسماء انتشاراً في البلاد رغم مرور الوقت وتبدل الأحداث، فمن الصعب أن تجد عائلة سورية اليوم وتخلو من اسم (كأحمد) أو (محمد) أو (عبدالله).

أما جيل اليوم فهو مختلف نوعاً ما عن سابقه، فقد لعبت ثورة المعلوماتية والمسلسلات المدبلجة نقلة كبيرة في انتشار اسماء جديدة لم تكن موجودة سابقاً مثل (رفيف، ليان، غنى، ليمار ..) وغيرها. لكن ذلك لم يمنع الحرب من أن تترك بصمتها بكل شيء في حياتنا حتى في الاسماء، فلدي جارة حين سيطرت الفصائل المسلحة على قريتنا ومن ثم تم حصارها لسنوات أنجبت طفلة أسمتها (شام) لتترجم بهذا الاسم اشتياقها للشام، في حين أعرف آخر في نفس الوقت قام بتسمية ابنه بـ (فرج) وذلك على نية الفرج بانتهاء الحرب.

اقرأ أيضاً: إحياء ذكرى الأجداد بأسمائهم.. آخرون يختارون أسماء أطفالهم قبل زواجهم

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى