أبرز 10 شخصيات مؤثرة بالتاريخ السوري

حسان يونس يكتب عن الفعل الحضاري والتأثير طويل الأمد لأبرز 10 شخصيات مؤثرة في التاريخ السوري

سناك سوري – حسان يونس

جرت العادة على النظر إلى التاريخ من زاوية القادة العسكريين والسياسيين توافقاً مع مقولة “إن التاريخ يكتبه المنتصرون” ووفقا لهذه العادة كان الأشخاص الأكثر ظهورا على مسرح التاريخ هم القادة العسكريون حيث تم تسطير التاريخ كرواية بسيطة لانتصاراتهم أو هزائمهم، إن هذه القراءة أو الكتابة للتاريخ انعكست في لاوعي المجتمعات خاصة الشرقية منها حيث اعتادت على تقديس قادتها العسكريين والتمسح بهم على حساب قادتها الفكريين أصحاب التأثير الحقيقي المسكوت عنه، ما أصابها بمتلازمة “الدين-السياسة” المعيقة لكل نمو ومن أجل تصحيح هذا الخلل الفادح لا بد من إعادة الاعتبار لرجالات الفكر على اختلاف مجالاتهم واعتبارهم نجوم التاريخ الزاهرة بديلاً عن قادة الحروب، وما يتصل بها من غبار وغوغاء تزيغ الأبصار على امتداد أجيال من ضحايا هذه القراءة الخاطئة للتاريخ .
وإذا أخذنا بالاعتبار الفعل الحضاري، والتأثير الأطول مدى، نستطيع أن نورد الأشخاص الأكثر تأثيرا في التاريخ السوري مع العلم أن تسلسلهم جاء وفقا للخط الزمني :

“يعد حمورابي” (1792 – 1750 ق. م) :

المشرّع والملك البابلي من الشخصيات الأكثر تأثيراً في التاريخ السوري من خلال شريعته المعروفة ورغم وجود شرائع سابقة لها لدى الملوك السومريين، إلا أن قوانين حمورابي أثّرت في كامل أرجاء العالم القديم لأكثر من ألف سنة واستمرت تتعرض للنسخ حتى القرن الخامس ما بعد الميلاد، واعتبرها باحثون كثر مصدراً للشريعة الموسوية التي ألقت بظلالها على الشرائع الإبراهيمية اللاحقة لها كما اعتبرها باحثون أول دستور في التاريخ.موقع سناك سوري.

“عـَـزرا الكاتب” ( 480 حتى 440 ق.م) :

هو المؤسس الحقيقي للديانة اليهودية، ولد في بابل وتعلم لغتها ودرس تراثها ووضع الأسفار التناخية بلغة آرامية بابلية، سمح له الملك الفارسي بالعودة إلى أرض كنعان مع النبي نحميا وبصحبة حوالي خمسة آلاف من الأسرى، فذهب وألقى سفر الشريعة الذي كتبه على مسامع اليهود في أورشليم، وعلّمهم أصول ديانتهم الجديدة، ثم عاد إلى بابل لاستكمال تأسيس الديانة اليهودية، وعندما عاد مرة أخرى إلى أورشليم أسس الكنيست (المجمع الكبير)، الذي قام خلال قرن ونصف بتدوين بقية الأسفار مضافة لها أسفار أنبيائهم في بابل، مما حافظ على التقاليد اليهودية في لحظة حاسمة، وخاصة الثقافة التلمودية المنغلقة التي تسرّبت إلى الديانات اللاحقة كالمسيحية والإسلام منتجة مدارس مذهبية متطرفة منغلقة تحتفي بالتطرف والتكفير ومفاهيم الفرقة الناجية والشعب المختار وإلغاء الآخر وتدنيس المرأة (خلافا لديانة الخصب السورية) فيما عدا المرأة اليهودية التي تعتبر بوابة الدخول إلى الدين اليهودي.

“زينون الرواقي” (333-264 ق.م) :

عُـرف بزينون الفينيقي، والده تاجر كنعاني ولد في مستوطنة أكيتيوم الفينيقية، في جزيرة قبرص، أسس الفلسفة الرواقية التي مثلت تطورا للفلسفة اليونانية ذات اتجاه شرقي فينيقي، وتكمن أهمية زينون في انتشار فلسفته في الأوساط الرومانية خلال القرن الثاني الميلادي مع اعتناق الامبراطور والفيلسوف الروماني مارك أوريل ذات الأصول السورية لها، ومع اعتناق الطبيب الفيلسوف جالينوس عضو المجلس الاستشاري لجوليا دومنا كذلك لهذه الفلسفة، والجانب الآخر لأهمية الرواقية هو تأثيرها في المسيحية التي بشّر بها بولس الطرسوسي، وفي التصوف الإسلامي كما ظهر لدى شيخ المتصوفة الأكبر محي الدين ابن عربي، أي يمكن القول أن زينون أخرج الفلسفة اليونانية من “يونانيتها” وألقى بها غربا إلى الرومان في القرنين الميلاديين الأولين، وشرقا إلى مسيحية بولس الرسول وإلى التصوف الإسلامي .

جوليا دومنا (170-217 م) :

ابنة الكاهن «باسيان» الكاهن الأعظم في معبد إله الجبل «إيلاغبال» في حمص، كانت تتمتع بذكاء وثقافة واسعة، تزوجت من سبتيموس عام 175م وكان ليبيا من كبار الموظفين في روما ثم أصبح إمبراطوراً على روما عام 211م، افتتحت جوليا دومنا عهد الأباطرة السوريين الذين حكموا روما خلال عدة عقود بدءاً من ابنها كركلا وصولا الى فيليب العربي، هذا العهد الذي لخصه الشاعر اللاتيني “جوفينال” بعبارة شهيرة “لقد فاض نهر العاصي وغمر نهر التيبر”. حيث صدر في هذا العهد مرسوم كاركلا الذي ساوى بين مواطني الإمبراطورية الأحرار بتأثير من فقهاء مدرسة بيروت للحقوق (بابنيان، اولبيان)، وبتأثير من الفلسفة الرواقية، وكان لهذا دور في تطور وضع بعض المدن، والشخصيات السورية لتقفز إلى واجهة الأحداث وتتصدرها وصولا إلى قيادة أو تحدي روما كفيليب العربي وزنوبيا في القرن الثالث الميلادي وماوية في القرن الرابع الميلادي .

بولس الطرسوسي (الرسول) :

هو الشخصية المحورية في التاريخ المسيحي والتاريخ السوري كذلك، عاش في القرن الأول الميلادي، وأدخل المسيحية إلى دمشق لتنطلق منها إلى روما، فتصبح ديناً عالمياً، وبين روما ودمشق عمل على نشر المسيحية وفق أساساتها المعروفة في كافة أرجاء سورية، وفي بعض مقاطعات الامبراطورية الرومانية ، بالإضافة إلى دوره الحاسم في مزج المسيحية بالفلسفة الرواقية.

البطرك نسطور (386 – 451 م):

نشأ نسطور في القرن الخامس الميلادي في أنطاكيا وأصبح بطريرك القسطنطينية عاصمة بيزنطة، وقدم فهماً مختلفاً للمسيحية عن الفهم الأرثوذكسي المستقيم، مؤسسا الكنيسة النسطورية التي انتشرت في العراق والجزيرة العربية وخاصة مكة والمدينة، بعدما تعرضت للحرمان والنفي خارج سورية من قبل الإمبراطور البيزنطي في حينه، وتنبع أهمية تأثيره في التاريخ السوري من كون الإسلام –وفقا لباحثين كثر- في جانب منه قد أعاد إنتاج أفكار نسطور، واجتاح بها سورية في القرن السابع الميلادي، معيدا نشر هذه الأفكار التي كانت قد تعرضت للملاحقة والمنع قبل قرن من الزمان .
النبي محمد (571 – 632 م):
يمثل النبي محمد فاتحة عصر جديد في سورية ومحيطها، وهو إن كان أتى برسالة جديدة إلى القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، إلا أن هذه الرسالة لم تتطور وتأخذ بعدها الفلسفي وتبلغ مداها العالمي إلا انطلاقاً من دمشق (أسوة بالمسيحية)، هذه الرسالة البالغة التشعب والقدرة على الامتصاص، بحيث تلطّت تحت عباءتها وتقنعت بها مصالح قومية وفكرية متعددة، كما تداخلت جذورها مع النسطورية، وتلقّحت ثمارها بالفلسفة اليونانية، وخاصة الرواقية، وهكذا فإن سورية أعادت إنتاج الإسلام كما أن الإسلام أعاد إنتاج سورية في تفاعل لا يزال جارياً، وما الثماني سنوات الأخيرة إلا ارتفاع في حرارة هذا التفاعل .

طغرل بك (995- 1063م) :

في عام 1058م كانت الدولة البويهية في بغداد قد تهاوت، وكانت المدينة قد أصبحت تحت سطوة قائد الجيوش “البساسيري” الذي بايع الخليفة الفاطمي، ما يعني أن النفوذ الفاطمي كان في طريقه للاستيلاء على مصر وسائر المشرق العربي، وهو تحول –لو استقر- كان سيكون الأخطر منذ مجيء الإسلام، إلا أن السلطان السلجوقي طغرل بك مؤسس الدولة السلجوقية هاجم بغداد وأعاد الخلافة إلى العباسيين مؤسسا سلطانه تحت عباءتهم، وموسّعا دولته إلى دمشق التي عرفت مُذّاك تاريخاً مختلفاً تماماً عن التاريخ الذي كان على وشك الحدوث تحت العباءة الفاطمية، ومن اللافت أن العثمانيين هم أبناء عمومة السلاجقة وأن قبيلة “الكاي” التي خرجت الدولة العثمانية من جيبها قد ترعرت في كنف السلاجقة، الذين اقطعوا هذه القبيلة أولى إماراتها، ومن اللافت أيضاً، أن سعي هذه القبيلة لإنشاء دولتها لم يتسارع إلا مع انهيار الدولة السلجوقية، ما يعني أن هناك خيطاً متصلاً بين طغرل بك مؤسسة دولة السلجوقية وأرطغرل غازي(1191- 1281م) مؤسس الدولة العثمانية التي لا تزال حاضرة ومؤثرة في الواقع السوري حتى اللحظة.

محي الدين بن عربي ( 1164 – 1242 م) :

محمد بن علي بن محمد بن عربي أَبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بمحي الدين بن عربي.
فيلسوف صوفي بل هو وفق علماء كثر شيخ الصوفية الأكبر، ولد في مرسية بالأندلس واستقر ومات في دمشق، تكمن أهمية نتاجه الفكري الذي يقارب أربعمائة كتاب ورسالة أنه اختصار للتراث المعرفي الممتد بين قطبي العالم الإسلامي في اشبيلية ودمشق، كما هو اختصار لتمازج الفلسفة الرواقية والافلوطينية مع الفكر الإسلامي، كما تكمن أهميته في أنه كان رائد وحدة الوجود ورائد العلمانية قبل أن يكتشفها الغرب بقرون وهو القائل :

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني.

فيما لا تزال دمشق التي تحتضن رفاته تخشى العلمانية !!!.

اقرأ أيضاً: ثلاث تحولات كبرى في تاريخ سوريا – حسان يونس

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع