كانت “فردوس” 52 عاماً تعمل كربة منزل، تدور بين بسطات الخضار كأنها تبحث عن فكرة أكثر من بحثها عن طعام، ترفع حبة بندورة، تسأل عن سعر الكوسا، ثم تعيدهما إلى مكانهما وتمضي بخطوة مترددة، في كيسها ربطة بقدونس فقط، وفي رأسها عشرات الاحتمالات المؤجلة لطبخة لم تحسم بعد.
سناك سوري-خاص
فمع الارتفاع الكبير والمتسارع في أسعار الخضار والفواكه والحبوب في عموم سوريا، لم تعد مهمة النساء تقتصر على اختيار وصفة مناسبة، بل على ابتكار وجبة ممكنة وسط أسعار تتبدل من بائع إلى آخر، ومن ساعة إلى أخرى، وموائد تضيق خياراتها مع كل جولة تسّوق.
تضيف “فردوس” لـ”سناك سوري”: «آخر شي يمكن نكتفي بمجدرة أو برغل ببندورة إذا قدرت آخدها بسعر أرخص عند بائع تاني. من كم سنة كنا نخطط للطبخة بالأسبوع، هلا صرنا نقرر قدام البسطة حسب السعر».
وبحسب جولة لمراسلي سناك سوري على الأسواق، بلغ متوسط سعر كيلو الفول الأخضر نحو 14 ألف ليرة سورية، والبطاطا 6 آلاف، والبندورة والخيار والباذنجان نحو 18 ألف ليرة لكل منها، فيما وصلت الفليفلة إلى 20 ألف ليرة والكوسا إلى 15 ألفاً أما الملفوف فسجل نحو 5 آلاف ليرة، في حين تراوح سعر ربطة البقدونس حول 1500 ليرة والنعنع 4 آلاف، والخسة 6 آلاف.
لم تكن الفواكه بمنأى عن موجة الغلاء إذ بلغ سعر كيلو الموز نحو 14 ألف ليرة، والتفاح بين 15 و20 ألفاً بحسب النوع، بينما وصل البرتقال إلى نحو 7 آلاف ليرة، أرقام تقول نساء إنها تدفعهن إلى الاستغناء عن أصناف كانت أساسية على موائدهن أو تقليص كمياتها إلى الحد الأدنى.

الحبوب تقفز بين يوم وآخر
كما شهدت أسعار الحبوب ارتفاعاً لافتاً خلال يوم واحد، إذ قفز سعر كيلو الأرز من نحو 11 ألف ليرة أمس الثلاثاء إلى 17 ألفاً صباح اليوم الأربعاء، وارتفع السكر من 7 آلاف إلى 9 آلاف، والبرغل من 8 آلاف إلى 10 آلاف ليرات، ما يضيق هامش المناورة أمام النساء اللواتي يعتمدن على هذه المواد كبدائل أقل كلفة للبروتين الحيواني.
وفي حلب، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً، يقول أبو محمد 52 عاماً، وهو موظف حكومي لم يتقاضَ راتبه حتى الآن، إن الأسرة دخلت شهر رمضان “بلا أي هامش للمناورة”، يضيف لـ”سناك سوري”: «زوجتي موظفة، وما عنا مدخول تاني غير راتبها حالياً، وحتى الاستدانة صارت صعبة لأن الكل وضعه تعبان».
وتعكس هذه الشهادة واقعاً تعيشه أسر كثيرة، حيث يتشارك الرجل والمرأة ثقل الضائقة المعيشية، لكن مسؤولية اختيار “الطبخة الممكنة” وسط محدودية الموارد تبقى غالباً على عاتق النساء، ما يضيف ضغطاً نفسياً مضاعفاً إلى أدوارهن اليومية في إدارة شؤون المنزل خلال شهر الصيام.

الدجاج الغائب والبحث المرهق
في موازاة ذلك، زادت صعوبة تأمين الدجاج في عدد من المحافظات بينها اللاذقية وحلب، بعد إغلاق معظم محال بيع الدجاج على خلفية التسعيرة الرسمية، وتروي “مانيا” 46 عاماً أنها أمضت ساعة كاملة تبحث عن محل غير مغلق في حيّها بمدينة اللاذقية دون جدوى، قبل أن تجد محلاً يبيع بقايا شرحات دجاج من اليوم السابق بسعر 75 ألف ليرة للكيلوغرام رغم أن سعرها كان أمس 65 ألف ليرة.

وقال صاحب محل دجاج إن الإضراب “ليس من المحال بل من المداجن”، موضحاً أن المربين أوقفوا البيع بعد إلزامهم ببيع الكيلو الحي بـ20 ألف ليرة، في حين يقولون إن تكاليف الإنتاج المرتفعة، خصوصاً أسعار العلف والمحروقات والطاقة، والتي تدفعهم لبيعه بنحو 30 ألف ليرة لتفادي الخسارة.
وبين لائحة الأسعار المتقلبة وإغلاق بعض المحال، تتزايد الضغوط اليومية على النساء المسؤولات عن تدبير الغذاء في الأسر، إذ يجدن أنفسهن أمام خيارات محدودة بين تقليص الوجبات أو تغيير مكوناتها أو الاستدانة أحياناً ومع استمرار موجة الغلاء، تتحول مهمة “اختيار الطبخة” من عمل روتيني إلى معادلة صعبة تتقاطع فيها الأدوار الجندرية مع الأزمة الاقتصادية التي تضرب عموم البلاد.







