
كنا نجلس في مقهى صغير في مدينة أوروبية، حين بدأت صديقتي تشتكي لي من مخالفة مرورية تلقتها قبل أيام، قالت بضيق: “تخيلي الشرطة خالفتني لأني قطعت الإشارة!”.
سناك سوري-رحاب تامر
ضحكت وسألتها: “شو كنت متوقعة؟”، ردت بسرعة: “يسمع مني كنت عم حاول خبره إني مستعجلة”، ابتسمت قليلاً، وأخبرتها: “مارح يسمعك.. لأنك ببساطة خالفتي القانون”.
عادت صديقتي لتسأل: “يا ريتني وزيرة وماحدا يحكيني بس منيح سورية وفوقها امرأة ما بيسلموني”، ضحكت مجدداً وأخبرتها: “ممكن تستلمي الوزارة حتى لو كنتي سورية وامرأة، لكن مستحيل تقدري تهربي من المخالفة حتى لو كنتي وزيرة”.
هذه الحوارية تختصر فكرة الدولة المدنية، فالدولة المدنية، ببساطة، هي دولة تدار بالقانون والمؤسسات، لا بسلطة دينية ولا بسلطة عسكرية، وفيها ينظر إلى الناس باعتبارهم مواطنين متساوين أمام القانون، لا باعتبارهم أبناء طوائف أو عائلات أو جماعات مختلفة.
ورغم بساطة الفكرة، ما يزال مصطلح الدولة المدنية يثير كثيراً من الجدل في النقاشات داخل سوريا فبعض الناس يعتقدون أن الدولة المدنية تعني دولة “ضد الدين” أو دولة تمنع الناس من ممارسة معتقداتهم.
لكن الواقع مختلف تماماً.
عادت صديقتي لتسألني:
“طيب أنت بتصلي بالمسجد هون؟”
-إي طبعاً
-حدا منعك؟
-لا، فنحن نعيش في دولة مدنية!
فالدولة المدنية لا تمنع الدين، لكنها أيضاً لا تحكم باسم دين معين. هي ببساطة دولة ينظمها القانون، ويستطيع فيها الناس ممارسة معتقداتهم المختلفة دون خوف أو تمييز.
وبحسب المختصين، تقوم الدولة المدنية على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تجعلها كذلك، فهي أولاً دولة تعبر عن إرادة المجتمع، أي أن السلطة فيها تستمد شرعيتها من الناس.
-يعني كيف الناس هي اللي تختار؟
-ببساطة بالانتخابات، إذا ما عجبك الحزب الحاكم بتصوّت لغيره
-يعني مافي نتائج 95% هون؟
-لا هون ممكن الحزب يخسر ويترك الحكم ويروح.
إلى جانب ذلك، تعتبر الدولة المدنية دولة قانون، يخضع له الجميع من المواطن العادي إلى أعلى المسؤولين وتقوم على نظام يضمن الحريات العامة ويقبل التعددية وحق الاختلاف، ففي المدينة الواحدة قد يعيش أشخاص بآراء سياسية مختلفة أو معتقدات دينية متعددة، وكل منهم قادر على التعبير عن رأيه أو ممارسة شعائره دون خوف.
-يعني ممكن واحد يكون رأيه السياسي ضد الحكومة عادي؟
-طبعاً طالما ما خالف القانون.
وفي الدولة المدنية تصبح المواطنة هي الأساس في الحقوق والواجبات فحين يتقدم شخص لوظيفة في مؤسسة عامة، لا يسأل عن طائفته أو عائلته، بل عن مؤهلاته وكفاءته، لأن حقه في العمل مرتبط بكونه مواطناً.
أما المبدأ الأخير فهو الالتزام بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، بحيث تتغير الحكومات عبر الانتخابات لا عبر القوة.
جوهر الدولة المدنية يقوم أيضاً على فكرة مهمة تتعلق بالقانون نفسه فالقانون في هذه الدولة هو قانون يضعه البشر ويمكن مراجعته وتعديله مع مرور الزمن. الدستور مثلاً يكتبه مختصون في القانون والسياسة وحقوق الإنسان، وقد يكون هؤلاء من خلفيات دينية مختلفة، مسلمين أو مسيحيين أو غير ذلك، بحسب طبيعة المجتمع الذي ينتمون إليه.
المهم في النهاية أن القانون ليس مقدساً وغير قابل للنقد، بل يمكن تعديله إذا تغيرت ظروف المجتمع.
-يعني كل هالشي اللي عم نعيشه هون اسمه دولة مدنية؟
-إي
-طلعت حلوة كتير الدولة المدنية، لكن ليش عنا بسوريا بيقولوا إنها دولة كفر وإلحاد وتفكك للمجتمع؟
في الحقيقة، هذه هي المفارقة التي يلاحظها كثيرون فمئات آلاف السوريين يعيشون اليوم في دول أوروبية مثل ألمانيا والسويد وهولندا وفرنسا، وهي كلها دول مدنية.
في هذه الدول تمكّن السوريون من العمل والدراسة والحصول على الرعاية الصحية وتأسيس مشاريعهم الخاصة، إضافة إلى ممارسة شعائرهم الدينية بحرية ولو لم تكن هذه الدول قائمة على مبدأ المواطنة والقانون، لما كان من الممكن ضمان هذه الحقوق أصلاً.
وتظهر أهمية الدولة المدنية أيضاً في طريقة تنظيم العلاقات داخل المجتمع، بما في ذلك داخل الأسرة نفسها. ففيها يحصل الرجال والنساء على حقوق متساوية في التعليم والعمل والمشاركة العامة.
وفي كثير من الأحيان تعمل الزوجة والزوج معاً لتأمين مصروف الأسرة، دون أن ينظر إلى ذلك باعتباره انتقاصاً من دور الرجل بل ينظر إليه كنوع من التعاون الطبيعي بين شخصين يتشاركان مسؤوليات الحياة.
في النهاية، لا تعني الدولة المدنية دولة بلا دين أو بلا قيم، بل تعني ببساطة دولة تنظم حياة الناس بالقانون وتساوي بينهم كمواطنين.
وربما لهذا السبب يستطيع كثير من السوريين العيش والاندماج في دول مدنية اليوم، بينما يبقى النقاش حول هذا المفهوم في بلدهم محاطاً بالكثير من الالتباس وسوء الفهم.







