
أثار مرسوم العفو الصادر عن الرئيس أحمد الشرع جدلاً قانونياً ودستورياً واسعاً، بعدما اعتبر حقوقيون ومحامون أن الخطوة تصطدم بنصوص الإعلان الدستوري المؤقت، فيما رأى مؤيدون أنها تدخل ضمن صلاحيات الرئاسة ومتطلبات المرحلة الانتقالية، خاصة في سياق تخفيف الضغط عن السجون ولم الشمل المجتمعي.
سناك سوري-دمشق
ويرى الحقوقي “نبيل شماس” أن المرسوم جاء “خلافاً للإعلان الدستوري المؤقت”، مشيراً إلى أن الإعلان لا يجيز لرئيس الجمهورية إصدار عفو عام، بل يقتصر دوره على العفو الخاص وردّ الاعتبار وفق المادة 40، بينما يبقى العفو العام من اختصاص مجلس الشعب حصراً بموجب المادة 30 الفقرة (ج).
ويؤكد “شماس” أن الإصرار على اعتبار الرئيس مخولاً بإصدار قوانين أو مراسيم تشريعية خلال المرحلة الانتقالية “قول غير صحيح ويجافي المنطق”، ولا يستند إلى أي نص، موضحاً أن “الضرورة السياسية لا تخلق صلاحيات دستورية، فالصلاحيات تستمد من النص لا من الظروف”.
كما يلفت إلى أن المادة 39 تمنح الرئيس حق اقتراح القوانين وإصدار ما يقره مجلس الشعب فقط، بما يجعل دوره تنفيذياً وشكلياً لا تشريعياً، محذراً من استيراد صلاحيات من تجارب تونس ومصر، لأن إعلاناتها الدستورية منحت الرؤساء صراحة سلطة تشريعية، وهو ما لا يرد في الإعلان الدستوري السوري إطلاقاً.
من جانبه، يذهب المحامي “إدوار حشوة” إلى أن الاستناد إلى الإعلان الدستوري لتبرير المرسوم “غير موفق” في ظل غياب نص ينقل حق التشريع إلى الرئيس عند غياب مجلس الشعب.
ويضيف أن صلاحية الرئيس، برأيه، تستند إلى دستور عام 2013 الصادر في عهد النظام السابق، والذي “لم يتم إلغاؤه بعد”، ويمنح الرئيس حق التشريع، مشيراً إلى المادة 114.
وفي نقد للصياغة، يرى “حشوة” أن المرسوم يفتقد لغة حقوقية دقيقة، ويتضمن تداخلاً وتكراراً، وأن قوانين العفو يجب أن تكون موجزة لا تقبل التفسيرات، وألا يرتبط تنفيذها بقرارات من وزير العدل، لما قد يسببه ذلك من إرباك للنيابة العامة وخلافات حول التنفيذ دون مرجع للاعتراض.
ومع ذلك، يصف “حشوة” العفو بأنه “إيجابي” ويخفف الضغط عن السجون، مشيراً إلى أنه لم يشمل جرائم النظام ضد الشعب، مع تمنّيه تشكيل محاكم لمحاكمة كبار المجرمين أولاً، ثم توسيع العفو عن غيرهم ممن لم تتلطخ أيديهم بالدم، والاستعانة بخبرات قانونية ودستورية لترتيب المرسوم.
بدوره، يقدم المحامي “المعتصم الكيلاني” تقييماً مزدوجاً، إذ يعتبر أن المرسوم يتمتع “ببنية تنظيمية واضحة نسبياً” ويتضمن استثناءات تتوافق مبدئياً مع بعض الالتزامات الحقوقية الدولية، لكنه يثير “إشكالاً دستورياً جوهرياً” في ضوء الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، لعدم وجود نص صريح يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إصدار عفو عام.
ويربط “الكيلاني” الحكم النهائي على المرسوم بحسم سنده الدستوري أولاً، وبضمان وضوح تفسير الاستثناءات والمساواة والشفافية في التطبيق، محذراً من تحوّله إلى أداة انتقائية أو وسيلة لإغلاق ملفات تتطلب مساءلة قانونية جادة.
في المقابل، يدافع “ياسر أسعد” عن المرسوم، معتبراً أنه “ضمن صلاحيات الرئيس المنصوص عنها في الإعلان الدستوري”، وأنه ليس عفواً عاماً لأنه “عفو مشروط ومقيد بشروط ويستثني جرائم معينة”.
وفي دعوة ذات بعد تصالحي، طالب بإخلاء سبيل الموقوفين دون محاكمة ممن لم توجه لهم لوائح اتهام، وتسريع عمل هيئة العدالة الانتقالية، داعياً إلى اجتماع السوريين على “الخير” بدلاً من الخلافات، ومختتماً بالقول: “كل عام وسوريا والسوريين بألف خير”.
ويعكس الجدل الدائر انقساماً قانونياً عميقاً حول حدود الصلاحيات في المرحلة الانتقالية، بين قراءة حرفية لنصوص الإعلان الدستوري، ومقاربات تضع الاعتبارات السياسية والإنسانية في الواجهة، فيما يبقى الحسم رهناً بتفسير دستوري جامع يوازن بين سيادة النص ومتطلبات العدالة الانتقالية.







