أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

التشاركية صناعة القرار من تحت .. هل تحلّ أزمات سوريا من السويداء إلى الساحل والجزيرة؟

قرار شخص واحد يؤثّر بحياة الملايين .. اللا مركزية كشرط لبناء الثقة وإشراك المواطن بصناعة القرار

تمثّل التشاركية مفتاحاً أساسياً للديمقراطية وتوسيع التمثيل وإضفاء شرعية أوسع على نظام الحكم في أي بلد، نظراً لأن توسيع دائرة المشاركين في الإدارة وصناعة القرار تعني زيادة النسبة الداعمة لهذه القرارات والمدافعة عنها.

سناك سوري _ دمشق

ولعلّ “سوريا” ما بعد سقوط النظام تعدّ نموذجاً مثالياً عن الحاجة إلى “التشاركية” في صناعة القرار وإدارة شؤون البلاد، والأثر الذي يمكن أن يسببه غياب التشاركية على المجتمع، والذي قد يصل إلى حدود متطرفة مثل المطالبة بالانفصال.

المشكلة في الاتجاه

تبدأ المشكلة في اتجاه الطريق الذي يسلكه أي قرار يخص المواطن، حيث يتّخذ القرار من فوق “السلطة” لتطبيقه على من هم تحت “الشعب”، على اعتبار الشكل الهرمي للعلاقة بين الطرفين، والذي يوضح التأزم أكثر، إذ يتخذ القرار من قبل شخص أو عدد قليل من الأشخاص، لكن تطبيقه يقع على الملايين.

فمثلاً قرار رفع سعر الكهرباء، صدر عن وزارة الطاقة وحمل توقيع الوزير، ولنفترض أنه في أحسن الأحوال نتج عن مشاورات بين وزارة الطاقة من جهة بوصفها الجهة التي تتحمّل أعباء تكاليف إنتاج الكهرباء، وبين وزارة المالية التي تقود ملف الرواتب والأجور من جهة، وتوزيع واردات الدولة على الوزارات بحسب الأولويات، فإن صناعة القرار تمت على يد بضعة أشخاص.

ابراهيم دراجي يدعو للإسراع بتشكيل مجلس الشعب على أسس تشاركية

 

أما تطبيق القرار ونتائجه وعواقبه وآثاره فقد وقعت على عاتق ملايين المواطنين السوريين، من الذين تم تجاهلهم كلياً وتغييبهم عن صناعة القرار، ولم يسألهم أحد عن رأيهم به، قبل أن يخرجوا إلى الشوارع بعد بداية تطبيقه، مدفوعين بألم آثاره عليهم لناحية عجزهم عن تسديد الفواتير وعدم تناسبها مع رواتبهم وأجورهم ومداخيلهم الشهرية.

التشاركية وسيلة فهم المحليات

أثبتت التجارب سواءً في سوريا أو غيرها من دول العالم، أن المركزية الشديدة في القرارات تكشف عيوباً واسعة في اتخاذ قرارات لا تناسب المناطق ولا تراعي خصوصياتها المحلية، نظراً لأن “المركز” لا يفهم هذه “المحليات” ولا ينظر لها بطريقة تحترم خصوصيتها، بل يعتبرها جزءاً من الكل الأكبر وينطبق عليها ما ينطبق على غيرها، فالمدينة عنده مثل الريف والساحل مثل الداخل والشمال مثل الجنوب، ويجب على جميع المناطق أن تخضع لقرار “المركز” الذي اتخذه انطلاقاً من رؤية محدودة وضيقة لا تهتم بالمحليات.

وفد الإدارة الذاتية إلى دمشق بالتنسيق مع التحالف .. ولا تنازل عن اللا مركزية

في حين، كانت دول العالم تبحث عن طرق جديدة لتوسيع رقعة اتخاذ القرار ومراعاة المحليات لتطبّق من الإجراءات ما يناسب خصوصيتها ويراعي سكانها، ويسهم في التنمية المحلية، فطبّقت بريطانيا ما سمّتها “الديمقراطية التداولية”، وأطلقت ألمانيا “الديمقراطية المحلية” وأنشأت فرنسا “الديمقراطية الجِوارية”، فيما عملت سويسرا على تطبيق سياسة “الديمقراطية شبه المباشرة”.

الشرط اللازم لهذه التجارب بطبيعة الحال، يتمثّل بإقرار “اللا مركزية” في إدارة البلاد، عبر منح الأطراف “المحافظات، المناطق .. إلخ” صلاحيات أوسع لاتخاذ قراراتها المحلية، بهدف تحقيق التنمية المحلية وإشراك المواطنين في صناعة القرارات التي تهم حياتهم وتطبيق ما يمكن اعتباره “حوكمة محلية” تشمل شرعية التمثيل المحلي ووضع آليات مساءلة وشفافية في اتخاذ القرار وضمان استجابة المجالس المحلية لمطالب المواطنين.

 التشاركية في الحالة السورية

تبرز أهمية التشاركية في الحالة السورية الراهنة عبر 3 ملفات/ أزمات رئيسية، ففي الساحل السوري كانت هناك مطالب متصاعدة تنادي بإشراك أبناء المنطقة ليكونوا بمثابة “شرطة محلية”، نظراً لفهمهم لطبيعة مناطقهم ومجتمعاتهم، ولفتح الباب أمام بناء الثقة بين الدولة وبين أبناء تلك المناطق، ورغم أن الأمر لم يحدث في وقته إلا أن مثالاً عنه حدث مؤخراً حين تم تعيين ضابط من أبناء المنطقة رئيساً لقسم الشرطة في “القرداحة”.

الإدارة المحلية فوضى الحوكمة ومركزية القرار

أما في “السويداء” فكانت الحالة أكثر عنفاً وتطرفاً، إذ كانت المطالبات بدايةً تعيين محافظ من أبناء السويداء وضم الفصائل المحلية لوزارتي الدفاع والداخلية مع توكيلهم بمهمة حفظ أمن المنطقة.

لكن تلك المطالب لم تجد طريق الاستجابة وتطورت الأحداث بسرعة لتتحول إلى مواجهات دامية ومجازر طائفية، وانقسام حاد وصل إلى حدود مطالبة البعض بانفصال السويداء عن سوريا ككل.

المثال الثالث يتركّز في الجزيرة السورية، حيث يتمحور الخلاف بين الحكومة السورية و”قسد” على مسألة “اللا مركزية” أولاً، ومسألة الانتشار العسكري والأمني في المناطق ذات الأغلبية الكردية والتي تطالب “قسد” بأن تتولّى قيادتها عسكرياً وأمنياً مع الاندماج بالجيش السوري والقوى الأمنية الحكومية، وهو ما يبدو أنه تم التوصل إليه في آخر اتفاق معلن بين الطرفين.

تظهر في الحالات الثلاث أهمية التشاركية وصناعة القرار من تحت ومراعاة الخصوصيات المحلية، وتوسيع دائرة المشاركين في صناعة القرار، وإشعار المواطن بأنه قادر على التأثير في القرارات التي تخص حياته ويومياته، ما يزيد من الثقة بين المواطن والحكومة ويرفع مستويات الرضا المجتمعي ويعزز من الحوكمة ويسهم في دفع التنمية المحلية.

زر الذهاب إلى الأعلى