أخر الأخبارالرئيسيةتقارير

بقرارات حكومية: الفقير أسير والغني حر

من الشاطئ إلى زجاجة النبيذ: هل تعزز السياسات الجديدة الفوارق الطبقية في سوريا؟

تحوّلت بعض القرارات الحكومية إلى سياسات عبثية أو ممنهجة تعزز الفوارق الطبقية وتحول الفقير إلى أسير والغني إلى حر.

أثارت سلسلة قرارات وتعاميم صدرت مؤخراً، وتتعلق بلباس البحر، والمشروبات الكحولية، والمظهر الشخصي للموظفات، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الاجتماعية وعلى مواقع التواصل، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تهدف فعلاً إلى “تنظيم السلوك العام”، أم أنها تعيد عملياً صياغة مفهوم الحرية على أساس القدرة المادية والانتماء الطبقي.

سناك سوري-خاص

وكانت وزارة السياحة السورية قد أصدرت تعاميم بداية صيف العام الفائت، حول “ضمان السلامة العامة والأمان في الشواطئ والمسابح”، تنص في مادتها الثانية على التزام رواد الشواطئ والمسابح العامة بارتداء “ملابس سياحة مناسبة تراعي الذوق العام ومشاعر مختلف فئات المجتمع احتراماً للتنوع الثقافي والاجتماعي والديني في سوريا”.

ودعت الوزارة إلى ارتداء ملابس سباحة “أكثر احتشاماً” في الشواطئ والمسابح العامة، مثل البوركيني أو الملابس التي تغطي الجسم بشكل أكبر.

غير أن اللافت في التعميم أن هذه القيود لا تنطبق على الشواطئ والمسابح الخاصة أو الموجودة في المنتجعات والفنادق من فئة أربع وخمس نجوم، حيث يسمح بارتداء “ملابس السباحة الغربية” ضمن ما وصف بحدود الآداب العامة.

القرار لم يمنع البكيني بحد ذاته، بل منعه في الشواطئ المجانية ومنخفضة الكلفة، بينما ظل مسموحاً في الأماكن التي لا يستطيع ارتيادها إلا ذوو الدخل المرتفع.

مثل هذه الضرائب لا تؤدي بالضرورة إلى “الحد من الاستهلاك” بقدر ما تعيد توزيعه طبقياً، بحيث يصبح قانونياً ومتاحاً لمن يملكون المال، ومحرماً أو غير ممكن لمن لا يملكونه

الكحول ضريبة بلا إعلان رسمي

خلال شهر كانون الثاني الجاري صدر قرار عن وزارة المالية السورية، يتحدث عن فرض رسم جديد بقيمة ألف ليرة سورية جديدة (100 ألف ليرة سورية) على كل عبوة من المشروبات الكحولية، من دون صدور أي بيان رسمي يؤكد القرار أو ينفيه حتى الآن.

وبطبيعة الحال فإن رفع الضريبة بهذا الشكل سيؤدي عملياً إلى حصر استهلاك الكحول بالفئات الأكثر ثراء، في ظل التراجع الكبير في القدرة الشرائية لغالبية السوريين، على سبيل المثال ثمن ليتر النبيذ المحلي 35 ألف ليرة، وبحال طبق القرار سصبح 135 ألف ليرة!

مثل هذه الضرائب لا تؤدي بالضرورة إلى “الحد من الاستهلاك” بقدر ما تعيد توزيعه طبقياً، بحيث يصبح قانونياً ومتاحاً لمن يملكون المال، ومحرماً أو غير ممكن لمن لا يملكونه.

من تملك القدرة على إجراء عمليات تجميل مكلفة مثل الفيلر والبوتوكس لا تحتاج عملياً إلى المكياج، بينما تصبح القيود أشد وطأة على النساء ذوات الدخل المحدود اللواتي لا يمتلكن سوى وسائل بسيطة للتزين

منع المكياج.. ضبط المظهر أم تقييد شخصي؟

في الشهر ذاته أثار تعميم صادر عن محافظة اللاذقية جدلاً إضافياً، بعد طلبه من إدارات الدولة إبلاغ الموظفات بعدم وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي.

ورغم أن القرار قدم بوصفه تنظيماً للمظهر العام داخل المؤسسات، اعتبرته ناشطات حقوقيات تقييداً مباشراً للحرية الشخصية، وتدخلاً في الخيارات الفردية للنساء فيما يتعلق بأجسادهن ومظهرهن.

كما أن هذا النوع من القرارات لا يطال جميع النساء بالقدر نفسه، إذ إن من تملك القدرة على إجراء عمليات تجميل مكلفة مثل الفيلر والبوتوكس لا تحتاج عملياً إلى المكياج، بينما تصبح القيود أشد وطأة على النساء ذوات الدخل المحدود اللواتي لا يمتلكن سوى وسائل بسيطة للتزين.

هذه السياسات لا تلغي السلوكيات بقدر ما تعيد حصرها ضمن فئات قادرة على تحمل كلفتها، ما يحول الحرية من حق عام إلى امتياز اقتصادي

نمط واحد ونتيجة واحدة

رغم اختلاف طبيعة هذه القرارات، فإنه من الواضح أن بينها قاسماً مشتركاً يتمثل في إعادة تنظيم السلوك العام عبر أدوات اقتصادية ومكانية، ما يؤدي عملياً إلى إنتاج شكل جديد من التمييز الطبقي غير المعلن.

في الحالات الثلاث لم نكن أمام حالة منع مطلق وإنما منع طبقي، ففي الشواطئ الشعبية تحرم من حرية اللباس لكن في منتجعات النجوم الأربعة والخمسة أنت حر، وفي الأماكن الشعبية، الكحول ليس للفقراء وإنما للنخب المالية، وفي الوظيفة العامة المكياج ممنوع لكن التجميل هو البديل وهو محصور بالأغنياء وهكذا دواليك، تؤسس ثقافة التفاوت الطبقي والتمييز بالحرية على أساس المال بينما يقع الفقير أسير ظروفه والإنشغال بحياته الشخصية.

زر الذهاب إلى الأعلى