أخر الأخبارالرئيسيةرأي وتحليل

يا رمادية.. تهمة جاهزة في بلد لا يطيق أن تخالف قواعده النمطية

الصمت لم يكن يعني أننا بلا رأي إنما لأننا بتنا أكثر وعياً بثمن الرأي ذاته

“متواطئة، عميلة، خاينة، جبانة”، سلسلة من الاتهامات والشتائم تنتهي بـ”يا رمادية”، خبرت تلك المفردات وتعايشت معها منذ 2017 تقريباً، حين بدأ وعيي يتشكل تجاه سلطة الأسد المخلوع، بعد طول ابتعاد عن “السياسة” وتفضيلي العيش مع عائلتي بعيداً عن شيء لا أستطيع أن أكون مؤثرة فيه.

سناك سوري-رحاب تامر

اليوم لم يتغير شيء، مازلت “متواطئة، عميلة، خاينة، جبانة، ورمادية أيضاً”، في السياق السوري لم يكن “المواطن الرمادي” توصيفاً لموقف ضبابي، بقدر ما كان تعبيراً عن واقع قاسي فرض علينا طويلاً، الرمادية كانت وسيلة بقاء في بلاد جعلت من الكلمة عبء ومن الرأي مخاطرة غير محسوبة.

تعلمنا أن نخفض أصواتنا ونختار الصمت لأن الكلام كان أقرب للتهلكة، هذا لم يكن يعني أننا بلا رأي، إنما بتنا أكثر وعياً بثمن الرأي ذاته، واليوم مرة أخرى لم يتغير شيء.

مايزال الجميع يسأل الشريحة التي أنتمي إليها “الرماديين” الذين بقيوا في الداخل، لماذا مازلتم رماديين؟ وكأن الخوف يُمحى بتبدل الوجه، أو أن الأمان يأتي كهدية مع كل تحول سياسي، الواقع مختلف للأسف، كلفة التعبير ماتزال متفاوتة بين من يعيش في الداخل ومن غادر.

وهكذا أتحول ومن يشبهني إلى موضع شك، ليس فقط في نظر السلطة ومطبليها، أيضاً في نظر أصدقاء يعيشون بالخارج، حيث تتوفر لهم مساحة واسعة من التعبير دون أي تهديد مباشر لا لأمنهم ولا لأمن عائلاتهم وأطفالهم، من هناك من موقعهم الآمن يلومون من بقي بالداخل واختار الصمت أو على الأقل التعبير بالحد الأدنى من الكلفة، وكأن الحفاظ على الأمان بات تهمة، والنجاة اليومية صارت دليلاً على ضعف أو تواطؤ.

مايزال الجميع يسأل الشريحة التي أنتمي إليها “الرماديين” الذين بقيوا في الداخل، لماذا مازلتم رماديين؟ وكأن الخوف يمحى بتبدل الوجه، أو أن الأمان يأتي كهدية مع كل تحول سياسي

نحن الرماديون نمتلك رأي واضح وصريح، لكننا نحتاج إلى ضمانات تتيح لنا التعبير عنه دون أن ندفع الثمن، لو تدركون فقط أننا لا نساوم على قناعاتنا بل نفاوض على حياتنا وحياة أطفالنا.

هكذا نصبح ضحية مزدوجة، ضحية لواقع لم يوفر لنا يوماً بيئة آمنة للتعبير الحر غير المشروط، كذلك ضحية خطاب أخلاقي صادر من الخارج، يطالبني بالمخاطرة دون أن يشاركني المخاطرة.

في سوريا، لم تكن الرمادية حياداً سياسياً، بل خياراً قسرياً فرضته بنية القمع، واستمر ما دامت الحرية غير متكافئة، هذه الرمادية لن تزول إلا عندما يصبح الكلام حقاً فعلياً للجميع، لا امتيازاً مرتبطاً بالمكان، حينها فقط، يمكن محاسبة الصامتين أما قبل ذلك، فإن لومهم لا يعدو كونه فوقية تافهة.

مايعزيني حقاً، أن كلا الطرفين مطبلي الحكومة ومعارضتها لا يتقبلون آراءنا، كلاهما لديهم موقف رافض لها، هذا فقط ما يمنحني القدرة على البقاء رمادية في مجتمع لا يعرف سوى الطبل والمزمار أو ما ضدهما.

زر الذهاب إلى الأعلى