وحّدتهم السجون وفرّقتهم الحرية .. كيف انقسم السوريون بعد سقوط النظام؟
طريق واحد لتلتقي التيارات من اليسار إلى اليمين في برلمان بدلاً من زنزانة
بعد مرور 13 شهراً على سقوط نظام بشار الأسد، بدأت تظهر تيارات تعبّر عن الانقسام في سوريا وإن لم تكن منظمة على شكل أحزاب أو حركات سياسية، إلا أن أفرادها يتفقون على الخطوط العامة وأهمها معاداة الآخر وشيطنته، رغم أن هذا “الآخر” كان بالأمس القريب حليفاً في مواجهة النظام.
سناك سوري _ محمد العمر
التيار الأبرز بالطبع يمثّل مؤيدي السلطة السورية على تنوّعهم وتفاوت درجات تأييدهم من التعصّب الأعمى لكل ما يصدر عن السلطة، بما في ذلك أخطاءها التي تعترف بها، وصولاً إلى فئة أكثر موضوعية تشير إلى مواضع الخطأ لكنها ترى في السلطة الحالية سبيلاً لإنقاذ البلاد.
لا يمكن فتح بوابة الاختلاف إلا بمفتاح التقبّل، والتحوّل إلى السياسة بدلاً من العنف والعسكرة والتجييش وخطاب الكراهية، بحيث يصبح التعبير عن الأفكار محكوماً بقواعد اللعبة السياسية وليس بدعوات الإبادة، وصولاً إلى اللحظة التي تعود فيها جميع التيارات من يمينها إلى يسارها إلى وسطها لتلتقي معاً في “البرلمان” بدلاً من الزنزانة.
في المقابل، هناك تياران أساسيان يظهر اصطفافهما بوضوح، الأول يؤيد “قوات سوريا الديمقراطية” في الجزيرة السورية، والآخر يؤيد طروحات الشيخ “حكمت الهجري” في السويداء.
أما تيار “المعارضة” فهو الأكثر تعقيداً وتنوعاً، إذ تختلف أسباب معارضة السلطة بين أفراده، من أشخاص تعرّضوا لظلم شخصي مثل الفصل من الوظيفة مثلاً، إلى أشخاص يعارضون المنطلقات الفكرية للسلطة ويعتبرونها امتداداً للحركات المتطرفة، وصولاً إلى فئة تحاول الترويج إلى أن الوضع السوري خلال عهد النظام كان أفضل رغم كل شيء ممّا هو الحال عليه اليوم.
المشترك الأساسي بين هذه التيارات من خلال متابعة أفرادها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها تقدّس الجهة التي تنتمي لها وتشيطن الآخر المعادي لها، وترفض الاختلاف مهما كان بسيطاً، وتعتبره خروجاً عن “الجماعة”.
وحّدتهم السجون وفرّقتهم الحرية
بالعودة إلى الوراء قليلاً، نجد أن معارضة نظام الأسد كانت شديدة التنوع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فسجون النظام في الثمانينيات كانت تضم “الإخوان المسلمين” إلى جانب الشيوعيين و”البعث الديمقراطي”، والذين تحوّلوا لاحقاً في مطلع الألفية ليشكّلوا تحالفات معارضة للنظام مثل “إعلان دمشق” الذي جمع مثلاً بين “الإخوان المسلمين” و”الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي”.
مع بداية الثورة في 2011 تجمّعت القوى السياسية المعارضة على اختلاف أفكارها لتشكيل تحالفات جديدة في وجه النظام، حيث كان شعار إسقاط النظام يجمع بين يساريين وشيوعيين وبعثيين وناصريين وأكراد من جهة، وبين إسلاميين تتفاوت درجة مرونتهم أو تشدّدهم من جهة لا سيما بعد التحوّل من السياسة إلى العسكرة ونشوء فصائل إسلامية مسلحة مختلفة التوجهات من “جيش الإسلام” إلى “الجيش الوطني” إلى “جبهة النصرة/ هيئة تحرير الشام” وغيرها.
مؤتمر الحوار السوري .. يبدأ ببيعة منفردة وينتهي بإجماع على خارطة طريق المرحلة الانتقالية
وقد شهدت سنوات الثورة انقسامات واسعة على الصعيد السياسي في صفوف المعارضة وانشقاقات وإنشاء كيانات ومجالس مختلفة، وعلى الصعيد العسكري عبر معارك طاحنة بين الفصائل، رغم أن الجميع متفقون على هدف “إسقاط النظام”.
اللحظة المفصلية كانت عند سقوط النظام، ما أفسح مجالاً للحرية وكان من المفترض أن كافة الأطراف حققت هدفها المشترك بسقوط الأسد، لتبدأ معاً رحلة ما بعد النظام بناءً على أرضية مشتركة من التفاهمات السابقة.
“إدلب – السويداء” التحالف المفترض
فعلى سبيل المثال، كانت “إدلب” وريف “حلب” الشمالي آخر مناطق “المعارضة المسلحة” بعد سيطرة النظام على بقية المناطق الممتدة من “درعا” إلى “حلب” مع تواجده في مربعات أمنية في مناطق الجزيرة السورية التي تسيطر “قسد” على معظمها، في حين كانت “السويداء” آخر صوت يواصل التظاهر ضد النظام ويدعو لإسقاطه في ذروة شعور “الأسد” بالانتصار وبأنه أنهى المعركة لصالحه.
حملات تحريض ودعوات مقاطعة ضد السويداء .. بيانات مزورة وتحذيرات من خطاب الكراهية
هذه الصورة توحي بأن “السويداء” ستكون الأقرب للقادمين من الشمال، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً، وبدأت الخلافات بالنشوب سريعاً، لكن المعضلة ليست في وجود اختلافات بل في رفض ثقافة الاختلاف أصلاً لدى كثيرين، ممن يدعون ضمناً إلى “اللون الواحد” تحت شعار “وحدة الصف”، ويطالبون بأن يكون المجتمع كتلة واحدة بأفكار موحّدة وخطاب واحد دون أي اختلاف أو معارضة أو خروج عن السردية.
لا يمكن فتح بوابة الاختلاف إلا بمفتاح التقبّل، والتحوّل إلى السياسة بدلاً من العنف والعسكرة والتجييش وخطاب الكراهية، بحيث يصبح التعبير عن الأفكار محكوماً بقواعد اللعبة السياسية وليس بدعوات الإبادة، وصولاً إلى اللحظة التي تعود فيها جميع التيارات من يمينها إلى يسارها إلى وسطها لتلتقي معاً في “البرلمان” بدلاً من الزنزانة.







