أخر الأخبار

هبة ناصر .. شابة سورية تواجه شبح المرض بأمل سيناريو النجاة

جرعات الفقراء بلا جدوى .. وزيارة الوزير تمنح التدفئة للمرضى

​بين ممرات مشفى البيروني الجامعي، لا تقتصر معركة هبة ناصر (27 عاماً) على مواجهة خلايا خبيثة تسللت من ثديها إلى رئتيها، بل هي معركة وجودية ضد “عداد” لا يتوقف عن حصد الأرقام، وجرعات دواء تتقاذفها رفوف الصيدليات بأسعار لا تعرف الرحمة. لتجد نفسها اليوم بطلة في فيلم واقعي، مخرجه هو الحاجة، والسيناريو يُكتب بآلام الجسد وأنين الجيوب الخاوية للشابة التي درست الإخراج قبل أن تعرف قصتها.

سناك سوري _ خاص

​بدأت رحلة هبة في كانون الثاني من العام الماضي. تشخيص أولي “خاطئ” وصف الورم بالسليم، مما دفع الأهل لرفض الخزعة والتوجه مباشرة للجراحة نظراً لحجم الكتلة الكبير.

لكن المرض باغت الجميع بانتكاسة بعد العملية، لينتقل من الثدي إلى الرئة، وتبدأ رحلة العلاج الكيماوي الفعلية في تشرين الثاني الماضي.

​بورصة الجرعات.. الهندي للفقراء والأوروبي حلم

​تتحدث هبة لـ سناك سوري بلغة الأرقام التي تسيطر على حياة المرضى: “الجرعة الأرخص هي المنشأ الهندي بـ 30 دولاراً، تليها التركية، ثم الأردنية والأوروبية بأسعار باهظة جداً”.

وتكشف هبة عن ثغرة مخيفة في سوق الدواء، حيث اضطرت لشراء جرعات بأسعار زهيدة (200 ألف ليرة) من صيدليات محيطة بمشفى المواساة، لتكتشف لاحقاً هي ومرضى آخرون عدم جدواها، مما أثار شكوكاً واسعة حول كونها “مغشوشة” أو منتهية الصلاحية، خاصة وأن حالتها تراجعت بعد استخدامها.

​مفارقات المشفى.. زيارة الوزير و”شبح” الانقطاع

​تروي هبة مفارقة مؤلمة، ففي مطلع عام 2026، زار وزير الصحة المشفى، ووعد بتوفير الأدوية، وكانت تلك المرة الوحيدة التي شُغّلت فيها أجهزة التدفئة (الشوفاجات) طوال الشتاء. لكن، بمجرد مغادرة الوزير، عاد كل شيء لسابق عهده.

“فوجئت بانقطاع جرعة (الكاربوبلاتين) مع بداية السنة، ولم يخبرني أحد إلا عند وصولي للمشفى. لولا شهامة مريض تبرع لي بفائض جرعته، لما استكملت علاجي ذلك اليوم”.

​تفاصيل الوجع المنسي

​لا تتوقف المعاناة عند الجرعة الأساسية، بل تمتد لتفاصيل يومية تشكل عبئاً مادياً ونفسياً ثقيلاً، حيث تضطر هبة لتأمين قائمة طويلة من الأدوية المرافقة كالمسكنات وحماية المعدة والكورتيزون بتكلفة شهرية تتراوح بين 50 إلى 90 الف ليرة سورية، يضاف إليها عبء حبوب الإقياء التي انقطعت من المشفى منذ نهاية عام 2025 وباتت تُشترى من الصيدليات بنحو 110 آلاف ليرة.

وحتى أبسط الأدوات الطبية كالقثطرة الوريدية (الكانيولا) والسيروم الملحي، غالباً ما يُطلب من المريض إحضارها معه قبل البدء، في حين تظل التحاليل الهرمونية “مفقودة” في أروقة المشفى، حيث تضيع عينات الدم بانتظار نتائج لا تظهر أبداً، مما يترك المريض في تيه طبي لا ينتهي.

​بيئة “البيروني”.. إنسانية الكادر وتواضع الإمكانات

​تُنصف هبة الكادر التمريضي وتصفهم بـ “الإنسانيين والمتعاونين”، لكنها تصف واقع المشفى بالمرير: “كل شيء قديم، النوافذ مكسرة، الحمامات خارج الخدمة في أغلب الأحيان، والنظافة تقتصر على شطف الأرضيات، بينما الشراشف في حالة مزرية تضطرني لحمل عبوة (سبيرتو) لتعقيم السرير والطاولة بنفسي”.

​تختم هبة حكايتها بوجع يتجاوز الجسد، هي لا تطلب المستحيل، بل تطلب حقها في رحلة علاج “آمنة”، لا يضطر فيها المريض لانتظار معجزة من مريض آخر، أو المخاطرة بجرعات مشبوهة لأن ثمن “الأوروبي” يعادل ثروة من النادر أن يملكها السوري.

زر الذهاب إلى الأعلى