في شهر يفترض أن تتسع فيه الموائد للجميع، امتلأت الصفحات الرسمية بصور إفطارات جماعية قدمت بوصفها مشاهد للتقارب وروح التآلف، لكن التدقيق في هذه الصور يكشف ملاحظة بسيطة وثقيلة، طاولات يغلب عليها حضور الرجال، ونساء يظهرن بأعداد محدودة أو يغبن تماماً عن الكادر.
سناك سوري-دمشق
ليست المسألة بروتوكول إفطار أو تفصيلاً ثانوياً في التغطية، بل ما تقوله الصورة عن شكل المشاركة في الفضاء العام، فحين يتكرر المشهد نفسه في أكثر من مناسبة رسمية، يتحول الغياب إلى مؤشر، وتصبح “موائد رمضان” مرآة هادئة لميزان تمثيل لم يتغير كثيراً.
حضور رمزي في إفطار دبلوماسي
في مأدبة الإفطار التي أقامها وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في دمشق لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى سوريا، أظهرت الصور حضوراً نسائياً محدوداً للغاية لا يتجاوز أربع سيدات.
ورغم الطابع الدولي للمناسبة، الذي يفترض أن يعكس تنوعاً أكبر في التمثيل، بدت النساء أقرب إلى حضور بروتوكولي منه إلى مشاركة متوازنة، ما يعيد تسليط الضوء إلى حجم تمثيل النساء القليل في الدبلوماسية والمناصب المرتبطة بها.
دار الأوبرا.. نساء كثيرات في الصورة
في إفطار وزارة الثقافة الذي أُقيم في دار الأوبرا بدمشق، ظهرت نساء كثيرات في الصورة، لكن كان ملاحظ أن هناك فصل بين النساء والرجال في معظم الطاولات التي ظهرت في الصورة تقريباً، كما أن الصورة على المسرح ضمت رجالاً فقط.
أحياناً الظهور العددي ليس كافياً لإثبات الحضور، فشكل هذا الحضور وشروطه يظلان جزءاً من معادلة التمثيل غير المتكافئ في الفضاء العام.
المشاركة المجتمعية.. لكن بنسختين منفصلتين
في جامعة اللاذقية، أقيمت مأدبة إفطار ضمن برنامج “الموائد الشبابية” بالتعاون مع منظمة IHH، بحضور إداريين وأكاديميين وطلبة، الصور المنشورة أظهرت أيضاً فصلاً واضحاً بين النساء والرجال، ما جعل فكرة “تعزيز المشاركة المجتمعية” تبدو وكأنها تمارس ضمن مسارين متوازيين لا يلتقيان.
هذا النوع من التنظيم يدفع للتساؤل حول طبيعة المشاركة المطلوبة من النساء هل هي مشاركة فعلية في المجال العام، أم مشاركة مشروطة بإطار اجتماعي محدد؟
غياب كامل في مأدبة المعهد العالي لإدارة الأعمال
في منشور رسمي عن مأدبة إفطار أقيمت في المعهد العالي لإدارة الأعمال بدمشق بحضور عميد المعهد وطلبة ومدرسين، خلت الصور المتداولة من أي ظهور نسائي، وكان الطلاب كلهم ذكور، لكن ببحث صغير عن المعهد يمكن ملاحظة تواجد عشرات الطالبات الإناث فلماذا غبن عن المشاركة؟
موائد المحافظين وصناع القرار.. طاولات بلا نساء
الأمر ذاته تكرر في مأدبة إفطار أقامها محافظ دمشق لمعاونيه ومديري المديريات في المحافظة، حيث أظهرت الصور حضوراً ذكورياً كاملاً، وهو ما يعكس، استمرار الفجوة في وصول النساء إلى مواقع الإدارة المحلية وصناعة القرار التنفيذي.
كما خلت الصور المنشورة عن مأدبة نظمتها غرفة سياحة دمشق بحضور وزير السياحة ونخبة من الوزراء وأصحاب المنشآت السياحية والمرشدين السياحيين من أي حضور نسائي ظاهر، رغم أن قطاع السياحة نفسه يعد من القطاعات التي تعمل فيها النساء بكثافة.
في النهاية، تبدو المفارقة أكثر حدة في شهر يفترض أن يكرس قيم المشاركة والتكافل، فالمرأة التي تعد الأكثر انشغالاً خلال رمضان بين العمل خارج المنزل، وإدارة تفاصيل البيت، وتحضير موائد الإفطار اليومية، تظهر في الصور الرسمية أقل حضوراً على الطاولات التي تقام باسم المجتمع ذاته الذي تقوم على خدمته ورعايته.
هذا الغياب لا يمكن قراءته ضمن خانة الصدفة أو التفاصيل التنظيمية، إنما كامتداد لنمط أوسع تستدعى فيه النساء لتحمل العبء اليومي غير المرئي، بينما يبقى التمثيل الرمزي والفعلي في الفضاء العام محكوماً بمعايير مختلفة، وبين موائد تطهى في البيوت وموائد تلتقط عندها الصور، تتسع فجوة صامتة تقول الكثير عمن يعمل فعلاً ومن يرى.






