من درعا إلى دمشق.. انتظار طويل بالعيادة لأن الخدمات لا تصل إلى الجميع
رحلة انتظار طويلة في عيادة طبيب تكشف فجوة الخدمات بين الأطراف والعاصمة

ليس لأن دمشق أقرب، ولا لأن الطريق أسهل، بل لأن الخدمات غائبة عن درعا، تبدأ رحلة العلاج خارج المدينة، حين يمرض الجسد في الأطراف، لا يجد أمامه سوى العاصمة، مهما كان الثمن، ومهما طال الانتظار، هكذا يصبح السفر جزءاً من الخطة العلاجية، وتتحول العيادة من مكان للفحص إلى محطة أخيرة بعد استنزاف طويل.
سناك سوري-هدى الحراكي
انطلقت مع أختي من درعا إلى دمشق فجراً، لأننا تعلمنا أن «البكير شوي بيفيد»، لكن الواقع يقول إن الدور لا يعترف بالبكير، ولا يحترم المتأخر، فالكل متساوٍ في الانتظار.
كان السؤال واحداً عند الجميع: «نحنا رقم كم؟»
وجهتنا كانت عيادة أحد أطباء الهضمية في شارع الباكستان، حيث تتساوى المعدة والأعصاب في المعاناة، ويصبح الصبر مهارة لا تقل أهمية عن وصفة الطبيب نفسها فالألم هنا ليس جسدياً فقط، بل نفسياً أيضاً.
عند الوصول بدأ الانتظار، جلسنا على كراسٍ قديمة، نراقب الساعة، ونعد البلاط، ونحاول أن نحتفظ بأعصابنا، بينما يحاول المرافقون ألا يجنّوا من طول الوقت، ومن يوم بارد بامتياز، رغم أن طقس دمشق دافئ مقارنة بمدننا.
كان السؤال واحداً عند الجميع: «نحنا رقم كم؟» كل دقيقة تمرّ كأنها ساعة، والوقت يتمدد بلا رحمة، الوجوه تتعب، والأجساد تتيبس بصمت.
قواعد الصمت الإجباري
للانتظار هنا قوانينه غير المكتوبة، الطفل يجب أن يجلس كتمثال، وإن تحرك قليلاً يأتيه الأمر فوراً: «اقعد!»، المريض إذا تأوّه أو شكى يطالب بالتحمل، المرافق إذا حاول أن يسأل يقال له: «مو هلأ!»، والكل يلتزم الصمت خوفاً من الصراخ.
صوت الممرضة العالي حاضر في كل المراحل، وكأنه جزء من بروتوكول العلاج، مازحت أختي بأنها ربما متخانقة مع زوجها وجاءت “تفش فينا” في هذا المكان، يصبح الصوت أعلى من الوجع نفسه.
ما إن يأتي دورك حتى يكون اللسان قد أصابه الشلل وإن كنت شاطراً، حاول أن تتذكر ما كنت تريد أن تشكو للطبيب بعد ساعات من الانتظار
مشهد موجع من الانتظار
الأكثر إيلاماً، والأشد إثارة للسخرية، هو مشهد كبار السن، امرأة تجاوزت السبعين، ظهرها مثني من السفر، ويداها ترتجفان من التعب، قادمة من ريف حلب لتنتظر دورها على كرسي، تحركت قليلاً لتريح ظهرها، فصرخت الممرضة: «ليش عم تتحركي؟ اقعدي يا خالة، حاج تدوري».
لا شك أن ضغط العمل كبير، وعدد المرضى هائل، وأن الكادر الطبي يبذل جهداً حقيقياً، لكن بعض التفاصيل الصغيرة، كنبرة الصوت ولغة التعامل، ما زالت خارج الحسابات، الصراخ لا يخفف الزحمة، ولا يختصر الدور، ولا يشفـي أحداً، لكنه، على ما يبدو، يعطي شعوراً وهمياً بالإنجاز.
وما إن يأتي دورك حتى يكون اللسان قد أصابه الشلل، وإن كنت شاطراً، حاول أن تتذكر ما كنت تريد أن تشكو للطبيب بعد ساعات من الانتظار، فالجسم يكون قد صار صنماً، العضلات مشدودة، العظام متجمدة، وحتى الطبيب لا يعود قادراً على الفحص كما يجب، لأن التعب سبق الفحص.
الشهادة لله، الدكتور شاطر جداً، لكن الكشفية أشطر 150 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة
أسئلة بلا إجابة
لماذا لا يوجد تسجيل إلكتروني؟ لماذا لا يوجد تنظيم دقيق للمواعيد؟ لماذا ننتظر ساعات طويلة لنحصل على خمس دقائق عند الطبيب؟ أسئلة تتكرر بلا جواب.
بعد انتظار طويل، دخلنا والشهادة لله، الدكتور شاطر جداً، لكن الكشفية أشطر 150 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة ضحكت مع أختي وقلت لها: «يلا من طرف الجيبة، إنت جاية من بلاد الاغتراب» ابتسمت بتعب وقالت: «المهم نخلص، وارجع لعند ابني».
تصل إلى مرحلة تدفع فيها أي مبلغ يطلب منك، مقابل ألا تنتظر أكثر. تحليل من هنا، ومراجعة طبيب من هناك، ثم العودة إلى الطبيب نفسه ليكتب أخيراً وصفة الدواء العملية كلها استغرقت 12 ساعة.
العودة قبل أذان المغرب
قلتُ: «الحمد لله، المهم قبل أذان المغرب. معقولة وصلت عالشام وما روح مشوار» قاطعتني أختي فوراً: «خلّينا نرجع، مشان ما نمشي بالليل بطريق السفر لسا قدامنا ساعتين طريق، خلينا نمشي هلأ».
هنا تتحطم أحلامي الصغيرة، وأستسلم للأمر الواقع، من دون جولة قصيرة في شوارع دمشق المزدحمة، حاملة تعب اليوم معي.
غادرت في رحلة استمرّت 12 ساعة، لكنها لم تكن سفراً، بل انتظاراً في عيادة طبيب، لأعود بعدها إلى حبيبتي درعا، التي ربما أصابتها لعنة ضعف خدماتها.
دائماً ما أرى سكان دمشق محظوظين في أشياء كثيرة مثل عدم السفر لأجل العلاج، وعدم تحمل شنططة المواصلات لساعات طويلة أما درعا، فهي بعيني غزال، لكن ضعف الخدمات جعلها شبحاً.. اها شبح.