من الطعام إلى الدواء والكهرباء.. ما الذي يعنيه خط الفقر فعلاً؟
ما هو خط الفقر؟ ولماذا تعيش كثير من الأسر السورية تحته رغم أنها تعمل؟
عندما تعطل البراد في بيت “ديمة”، لم تفكر كيف تصلحه، جلست تحسب، إذا دفعت ثمن التصليح، لن يبقى معها ما يكفي لشراء الطعام هذا الشهر، وإذا تجاهلت البراد، ستخسر الطعام الموجود فيه، هنا تماماً يبدأ معنى خط الفقر حين لا يعود الدخل يكفي لتغطية الضروري كله، ويصبح على الإنسان أن يختار أي حاجة أساسية سيتخلى عنها.
سناك سوري-وفاء أحمد
تخشى الحكومات في مختلف دول العالم من اقتراب الناس من خط الفقر، لأنه يعني أن عدداً أكبر من المواطنين لم يعودوا قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم، لكن الفقر ليس الشيء نفسه في كل مكان. فما يعتبر فقراً في بلد غني، قد يبدو رفاهية في بلد آخر.
في سويسرا مثلاً، قد يعتبر الشخص فقيراً إذا لم يكن قادراً على شراء منزل أو السفر أو العيش بالمستوى المعتاد في المجتمع، أما في كثير من دول العالم الثالث، فالفقر قد يعني شيئاً أبسط وأقسى ألا يستطيع الإنسان شراء الطعام، أو دفع إيجار البيت، أو تأمين الدواء والكهرباء.
بشكل مبسط، خط الفقر هو الحد الأدنى من الدخل الذي يحتاجه الفرد أو الأسرة حتى يعيشوا حياة مقبولة في بلد معين، إذا كان دخل الأسرة أقل من هذا الحد، تعتبر فقيرة، وإذا كان أعلى منه، فهي خارج دائرة الفقر.
لنفترض أن أسرة تحتاج شهرياً إلى مبلغ يكفي للطعام، وإيجار البيت، والملابس، والمواصلات، والدواء، وتعليم الأطفال، إذا كان دخلها أقل من هذه المصاريف الأساسية، فهي تعيش تحت خط الفقر، حتى لو كان أحد أفرادها يعمل.

أنواع خط الفقر
خط الفقر المدقع: وهو أشد أنواع الفقر، ويعني أن دخل الأسرة لا يكفي حتى لتأمين الطعام الضروري فقط، أي أن الأسرة قد لا تتمكن من شراء ما يكفي من الخبز، أو الأرز، أو المواد الأساسية التي يحتاجها الجسم يومياً.
خط الفقر المطلق: ويعني أن الأسرة تستطيع بالكاد تأمين الطعام، لكنها لا تملك ما يكفي لبقية الحاجات الأساسية مثل السكن، والملابس، والتعليم، والعلاج، والمواصلات.
خط الفقر النسبي: وهو يختلف من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر، فالشخص قد لا يكون جائعاً أو عاجزاً عن شراء الطعام، لكنه يبقى فقيراً مقارنة بالمستوى العام للمعيشة حوله، لذلك يتغير هذا النوع من الفقر كلما ارتفعت الأسعار أو تغيرت طريقة حياة الناس.
البنك الدولي رفع خط الفقر الدولي العام 2025 الفائت، إلى 3 دولار يومياً للفرد الواحد، أي 90 دولار شهرياً، ويحتسب هذا الرقم لكل فرد في الأسرة، ما يعني أن أباً يعيل ثلاثة أطفال يحتاج إلى ما لا يقل عن 12 دولاراً يومياً، أو 360 دولاراً شهرياً، حتى لا تصنف أسرته تحت خط الفقر
فمثلاً، الأسرة التي كانت قبل سنوات قادرة على العيش براتب معين، قد تجد نفسها اليوم تحت خط الفقر نفسه، لأن الأسعار ارتفعت بينما بقي دخلها كما هو، ولهذا يقال إن الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل تراجع مستمر في القدرة على العيش بكرامة.
في سوريا، لا تحتاج الأسرة إلى حسابات معقدة لتعرف أنها تقترب من خط الفقر، يكفي أن يكون راتب الموظف أقل من إيجار المنزل، أو أن تستهلك فاتورة الكهرباء واشتراك الأمبيرات ووسائل النقل نصف الدخل تقريباً، كثير من العائلات السورية اليوم تستطيع تأمين الطعام فقط، لكنها تعجز عن شراء الملابس، أو إصلاح عطل في البيت، أو دفع تكاليف الطبابة، ما يعني أنها تعيش عند خط الفقر المطلق أو تحته.

وقد كان العالم يعتمد لسنوات على معيار يقول إن الشخص يعد فقيراً إذا كان يعيش بأقل من دولار واحد يومياً، لكن البنك الدولي رفع خط الفقر الدولي العام 2025 الفائت، إلى 3 دولار يومياً للفرد الواحد، أي 90 دولار شهرياً، ويحتسب هذا الرقم لكل فرد في الأسرة، ما يعني أن أباً يعيل ثلاثة أطفال يحتاج إلى ما لا يقل عن 12 دولاراً يومياً، أو 360 دولاراً شهرياً، حتى لا تصنف أسرته تحت خط الفقر.
إذا كانت أسرة من أربعة أشخاص تحتاج، وفق خط الفقر الدولي الجديد، إلى نحو 360 دولاراً شهرياً كي لا تُعد فقيرة، فإن كثيراً من الأسر السورية تعيش اليوم بدخل أقل من ذلك بكثير، رغم أن أحد الوالدين أو كلاهما يعملان، فراتب الموظف الحكومي اليوم حتى بعد الزيادة الأخيرة 50% لا يتجاوز الـ120 دولار وفق سعر الصرف المعتمد في السوق الموازي.
في النهاية، لا يظهر خط الفقر دائماً في الإحصاءات فقط، يظهر في البيت حين تؤجل العائلة شراء الدواء إلى آخر الشهر، أو حين يلغى درس الطفل الخاص لأن الأجرة لا تكفي، أو حين تتحول كل مصاريف الحياة إلى سؤال واحد يتكرر كل يوم ماذا نستطيع أن نستغني عنه هذه المرة؟
