عرفت سوريا حضوراً نسائياً مبكراً في العمل الدبلوماسي، وصلت فيه سوريات إلى مواقع تمثيل متقدمة في الأمم المتحدة والجامعة العربية منذ منتصف القرن الماضي، غير أن هذا الإرث لا ينعكس في التعيينات الدبلوماسية الأخيرة، التي خلت من أي تمثيل نسائي، في وقت تعترف فيه وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل “هند قبوات” بوجود خلل في تمثيل النساء داخل الحكومة، وتكشف الأرقام استمرار محدودية مشاركتهن في مواقع صنع القرار.
سناك سوري-رحاب تامر
وشملت التعيينات تكليف “محمد براء” شكري قائماً بأعمال السفارة السورية في ألمانيا، وتعيين العقيد “أشهد صليبي” قائماً بأعمال السفارة في روسيا، و”محسن مهباش” قائماً بأعمال السفارة في السعودية، إضافة إلى “محمد عبد السلام” قائماً بأعمال السفارة في السودان، و”زكريا لبابيدي” قائماً بأعمال السفارة في الصين، و”محمد قناطري” قائماً بأعمال السفارة في الولايات المتحدة.
ستة تعيينات متتالية، في سفارات ذات ثقل سياسي، من دون أي تمثيل نسائي، في محاكاة واضحة لبنية الحكومة الحالية التي لا تضم سوى وزيرة واحدة.
تمثيل “فقير”
تصف “راوية الشمري”، عضو الحركة السياسية النسوية السورية، واقع تمثيل النساء اليوم بأنه «فقير إلى حدّ كبير»، معتبرة أن ما هو قائم أقرب إلى التمثيل الشكلي منه إلى المشاركة الحقيقية في صناعة القرار.
وترى “الشمري” أن وجود وزيرة واحدة أو عدد محدود من النساء في مواقع إدارية من الدرجة الثانية أو الثالثة لا يعكس حضوراً فعلياً في مراكز التأثير، سواء على مستوى السفارات أو الوزارات، مشيرة إلى أن النساء السوريات كن شريكات أساسيات في الثورة، وقدن تظاهرات وأعمالاً مدنية وسياسية، وراكمن خبرات وكفاءات واسعة، «لكن ذلك لم يترجم إلى تمثيل سياسي حقيقي».
لا يبدو غياب النساء عن التعيينات الدبلوماسية مسألة مرتبطة بالخبرة أو بالسوابق، إذ سجلت سوريا حضوراً نسائياً مبكراً في العمل الدبلوماسي الدولي ففي أربعينات القرن الماضي، انتخبت أليس قندلفت قرما مندوبة لسوريا ومقررة للجنة الدولية الخاصة بمركز المرأة في هيئة الأمم المتحدة عام 1948، متقدمة على مندوبتي روسيا البيضاء وأستراليا، في خطوة احتفت بها الصحافة آنذاك بوصفها إنجازاً سورياً.

وفي عام 1964، أصبحت طلعت الرفاعي أول امرأة سورية وعربية تمثل بلادها في جامعة الدول العربية بدرجة وزير مفوض، وتولت ملف الشؤون الفلسطينية، وانتخبت لاحقاً أميناً عاماً مساعداً لاتحاد المغتربين العرب في جنيف، وارتبط اسمها بخطاب نسوي صدامي تجاوز التمثيل الرمزي إلى المطالبة بتغيير تشريعي واجتماعي مباشر.

أرقام تؤكد الأزمة
غياب النساء عن التعيينات الدبلوماسية في المرحلة الانتقالية يكاد ينسجم مع صورة أوسع تكشفها الأرقام، ففي بحث أجراه سناك سوري حول أزمة التمثيل السياسي في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، بلغت نسبة النساء في مؤسسات المرحلة الانتقالية نحو 7٪ فقط، فيما انخفضت النسبة في الحكومة الحالية إلى 5٪ بوجود وزيرة واحدة، وهي النسبة ذاتها تقريباً في مجلس الشعب، مع إمكانية ارتفاعها لاحقاً بعد تعيين الرئيس للنواب المتبقين.
أحد أكبر أخطاء الرئيس كان عدم تعيين نساء أخريات في حكومته، لكنه أخبرني بأن التشكيلة الوزارية ستضم نساء أكثر في المستقبل.هند قبوات – وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل
في المقابل، أقرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل “هند قبوات” في لقاء مطلع شباط الجاري مع BBC، بأن أحد أكبر أخطاء الرئيس كان عدم تعيين نساء أخريات في حكومته، مشيرة إلى أنه طمأنها بأن التشكيلة الوزارية ستضم نساء أكثر في المستقبل.
وترفض “قبوات” أي إيحاء بأن تعيينها جاء في إطار شكلي، قائلة: «لست هنا للزينة…».
ضمن هذا السياق، يبدو السلك الدبلوماسي واحداً من أكثر القطاعات انغلاقاً أمام النساء، رغم ما يتطلبه من خبرات سياسية وقانونية وإدارية، تمتلكها نساء سوريات عملن لسنوات في الشأن العام، داخل البلاد وخارجها.
في المحصلة، لا يضيف غياب النساء عن تعيينات السفراء سوى حلقة جديدة إلى سلسلة طويلة من التمثيل المحدود، ويعيد التأكيد على أن مشاركة النساء في سوريا ما تزال محصورة في حدود رمزية، لا تصل إلى قلب القرار، رغم كل ما قدمته النساء من أدوار سياسية ومجتمعية خلال السنوات الماضية.








