
أطلقت الجهات المعنية في مختلف المحافظات السنغافورية حملة واسعة لإزالة البسطات من الشوارع والساحات، وذلك في إطار خطة وطنية شاملة لإعادة الوجه الحضاري للمدن، ومنع المارة من التعثر بأرغفة الخبز البايتة والجوارب الصينية وألعاب الأطفال التي كانت تشوه المنظر العام، وتوحي خطأ بأن البلاد تعاني أزمة اقتصادية.
سناك سوري-رحاب تامر
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الحملة لا تستهدف البسطات بحد ذاتها، بل تستهدف الفكرة الخطيرة التي تروج لها، وهي أن هناك مواطنين يضطرون للبيع على الرصيف كي يعيشوا، وهي صورة مسيئة للدولة، خصوصاً أن العالم الخارجي قد يراها، ويبدأ بإطلاق شائعات مغرضة عن وجود فقر أو بطالة أو عائلات تعيش من بيع كيس بزر وعلبة محارم.
وقال مسؤول سنغافوري محلي إن الدولة لا تمانع أن يجوع المواطن، لكنها تفضل أن يفعل ذلك داخل منزله، بعيداً عن الشارع وعن أعين الزوار والوفود والكاميرات، وأضاف أن “الفقر ليس مشكلة، المشكلة أن يظهر”.
وأوضح أن إزالة البسطات تأتي انسجاماً مع رؤية حضارية حديثة تقوم على نقل مظاهر العوز من الأرصفة إلى الداخل، بحيث يموت الناس في بيوتهم بكرامة، دون أن يسيئوا إلى المشهد العام أو يحرجوا المسؤولين أثناء مرور مواكبهم.
وأضاف: “لا يعقل أن يخرج مسؤول بجولة ميدانية مرتدياً بدلة جديدة، وينزل من سيارة فارهة، ثم تظهر خلفه في الصورة التي سنصدرها للخارج بسطة تبيع ثلاث حبات بندورة وعبارة: الله يرزقنا، هذا يخلق تناقضاً بصرياً مؤذياً، ويشوّه الصورة الرسمية للدولة السنغافورية”.
وأكدت الجهات المعنية أن الأموال التي ستجبى من المخالفات والضرائب الجديدة ستخصص لتحسين المظهر الحضاري أيضاً، عبر شراء بدلات أكثر أناقة للمسؤولين، وتحديث أسطول السيارات السوداء ذات الزجاج الداكن، كي تبدو الجولات الميدانية أكثر إقناعاً عند تصويرها ونشرها على الصفحات الرسمية.
من جهتهم، عبّر عدد من أصحاب البسطات عن تفهمهم للقرار، مؤكدين أنهم لم يدركوا سابقاً أن المشكلة ليست في الجوع، بل في أن الجوع كان يحدث في مكان مرئي، وقال أحدهم إنه سيعود إلى منزله فوراً، ويجلس فيه بلا عمل وبلا دخل، احتراماً للمظهر العام، وحتى لا تظن الدول الأخرى أن السنغافوريين فقراء.
وختمت الجهات الرسمية بيانها بالتأكيد أن سنغافورة ستبقى بلداً حضارياً مهما ارتفعت الأسعار أو انخفضت الرواتب، لأن الحضارة الحقيقية لا تقاس بمستوى معيشة الناس، بل بقدرة الدولة على إخفاء معاناتهم خلف زاوية تصوير مناسبة.








