معدلات البطالة تتجاوز 60% والحكومة تحوّل المقنّعة إلى حقيقية
خبير اقتصادي: نتائج الاستثمارات تحتاج من 4 لـ 8 سنوات .. وطرح فرص العمل يحتاج شفافية دون محسوبيات
تشكّل البطالة في سوريا تحدّياً أساسياً في وجه الحكومة والمجتمع في ظل الحالة المعيشية المتدهورة بعد 14 عاماً من الحرب، حيث تصل إلى معدلات قياسية غير مسبوقة ترافقت مع حملات الفصل من الوظائف العامة التي بدأتها الحكومة بعد سقوط نظام الأسد.
سناك سوري _ دمشق
وخلال العام الماضي، قال وزير الاقتصاد والصناعة “نضال الشعار” أن حجم البطالة في سوريا يفوق 60%، مضيفاً أن 2.7 مليون شاب سوري لا يجيدون القراءة والكتابة أو أداء أي عمل، ما يستدعي إطلاق برامج تأهيل شاملة، بما في ذلك إنشاء مصانع ومدارس ومراكز تدريب لدمجهم في سوق العمل.
400 ألف اسم موظف “شبح” في سجلات العاملين بالدولة، وإزالتهم ستؤدي لتوفير موارد كبيرة. وزير المالية السابق محمد أبا زيد
في المقابل، كانت أولى الخطوات التي اتخذتها الحكومة بعد سقوط النظام، الإعلان عن “إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية” من خلال فصل أعداد واسعة من الموظفين المتعاقدين، بهدف القضاء على “البطالة المقنّعة” في ظل حديث عن توظيفات فاسدة في عهد النظام جعلت من كثيرين موظفين اسمياً فقط حيث يتقاضون رواتبهم دون دوام فعلي، لكن هذه الذريعة أوصلت لقرارات فصل جماعية اختلط بها الحابل بالنابل، وأقصت موظفين عن وظائفهم بعد سنوات طويلة من الخدمة دون تعويض أو مساعدة في إيجاد بديل فعلي لتأمين مصدر عيش.
وكان وزير المالية السابق “محمد أبا زيد” قد تحدّث في كانون الثاني 2025 عن وجود 400 ألف اسم موظف “شبح” في سجلات العاملين بالدولة، وإزالتهم ستؤدي لتوفير موارد كبيرة.
وأضاف “أبا زيد” أن الدولة تحتاج ما بين 550 إلى 600 ألف عامل وهو أقل من نصف العدد الحالي على حد قوله.
فصل مئات العاملين في البحوث الزراعية وسط أزمة معيشية متفاقمة في سوريا
200 ألف فرصة عمل في مشروع واحد
كان العام الماضي حافلاً بتوقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع مستثمرين ودول إقليمية لإقامة مشاريع في سوريا، كانت تترافق مع وعود بأنها ستؤمّن آلاف فرص العمل وستعيد إنعاش الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي.
قرارات فصل الموظفين الحكوميين قبل بدء العملية الإنتاجية حوّلهم إلى بطالة حقيقية بدلاً من البطالة المقنّعة الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي
واحد فقط من هذه المشاريع حمل وعوداً بتأمين عدد هائل من فرص العمل، حيث أعلن محافظ ريف دمشق “عامر الشيخ” أن مشروع “أبراج دمشق” الذي سيقام على الجهة الغربية للعاصمة، بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة والإسكان وشركة “أوباكو” الإيطالية، سيوفر نحو 200 ألف فرصة عمل على حد قوله.
خبير اقتصادي: البطالة ترفع معدلات الفقر والسرقات والهجرة
قال الخبير الاقتصادي “مهند الزنبركجي” إن ارتفاع معدلات البطالة يحدث خللاً اجتماعياً كبيراً يتجسّد في عدة أوجه أهمها اتساع رقعة الفقر إلى نسبة تتعدّى 85%، وارتفاع معدل السرقات وازدياد الهجرة رغم إغلاق معظم دول العالم تأشيرات العمل والهجرة والزيارة أمام السوريين، إضافةً إلى هجرة الخبرات والعقول التي لا تجد من يتبناها، فضلاً عن تأثير البطالة اقتصادياً والمتمثّل في انخفاض الإنتاجية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن السوري، معتبراً أن معدل الوظائف الشهرية يعدّ مقياس النجاح لأي إدارة اقتصادية للبلاد، لأنه يظهر التفكير الاقتصادي وحجم تدفق الاستثمارات المستدام وتوجيهها بشكل مثالي.
وأضاف “الزنبركجي” في حديثه لـ سناك سوري أن قرارات فصل الموظفين الحكوميين قبل بدء العملية الإنتاجية حوّلهم إلى بطالة حقيقية بدلاً من البطالة المقنّعة التي جاءت قرارات الفصل لمكافحتها.
ورأى أنه كان من الأجدى البدء بخطة نهوض اقتصادي شاملة ودقيقة في القطاعين العام والخاص قبل إنهاء خدمات قسم كبير من الموظفين، بهدف تحويلهم إلى أماكن أخرى تناسب إمكانياتهم أو منحهم فرصة العثور على وظيفة في القطاع الخاص.
نتائج الاستثمارات تحتاج من 4 إلى 8 سنوات
الاستشاري في تأسيس الصناديق السيادية والشركات القابضة “زنبركجي” قال أن نتائج الاستثمارات الجديدة لن تظهر سريعاً، موضحاً أن البيئة الاستثمارية تحتاج استقراراً سياسياً وأمنياً بالدرجة الأولى، وبدايةً لاستقرار اقتصادي، وبيئة تشريعية واضحة وشفافة في البيانات، وحوكمة اقتصادية ومحاكم اقتصادية مستقلة، إضافة للمس توجه واضح لمحاربة الفساد والابتعاد عن المحسوبيات، ورفع كامل للعقوبات الدولية وخطط استراتيجية مقترنة بجدول زمني معلن، داعياً لإعطاء تسهيلات وإعفاءات خاصة للمستثمرين السوريين لأنهم الأكثر جرأة على الاستثمار في الظروف الحالية مقارنةً برأس المال الأجنبي الذي سينتظر لحين توفر ظروف أفضل وتوقيت يناسبه أكثر لدخول السوق السورية.
منح تسهيلات استثنائية للمستثمرين السوريين مع إعفاء ضريبي كامل لمدة 10 سنوات، وطرح مواقع جديدة للاستثمارات العربية والأجنبية الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي
وفي وقتٍ لم تتحقق فيه معظم النقاط المذكورة، يرى “الزنبركجي” أن الإطار الزمني لبدء الاستثمارات سيأخذ وقتاً أطول من المتوقع قد يصل إلى 4 سنوات للمشاريع الخدمية، ويرتفع إلى 8 سنوات للمشاريع الصناعية والإنتاجية.
ما المطلوب من الحكومة السورية؟
وعن المطلوب من الحكومة السورية لمكافحة البطالة وتأمين فرص عمل للشباب، دعا “الزنبركجي” إلى تحويل جزء من شركات القطاع العام لشركات قابضة تدار بآلية ورواتب الشركات القابضة الخاصة، ما يؤثر إيجاباً على خفض معدلات البطالة وتأمين آلاف فرص العمل، على أن تكون الرواتب معادلة لما هي عليه في القطاع الخاص ما يرفع القدرة الشرائية للموظف وبالتالي رفع معدل الإنفاق.
ورقة بحثية تحذّر من مخاطر المراسيم الاستثمارية .. إعفاءات وحوافز تهدد مستقبل موارد سوريا
واقترح تشكيل شركة استشارات اقتصادية ذات أفكار متقدمة من خارج الصندوق، ترتبط ببنك للتمويل وتقوم بتقديم دراسات الجدوى الاقتصادية لأصحاب رؤوس الأموال الخاصة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتكون شريكاً رسمياً لهم بالتمويل في حال وجود أفكار مهمة لصاحب المشروع.
ونصح الخبير الاقتصادي بعد الترويج لفكرة العمالة السورية الرخيصة كركيزة إيجابية للاستثمار، والاستعاضة عنها بالقول “العقول المبدعة والعمالة الماهرة بأجور منافسة مقارنةً بمثيلتها الأجنبية”، معتبراً أن الترويج لرخص اليد العاملة السورية يعني وضع سقف متدنٍّ سلفاً للإيرادات والرواتب، وإظهار المبدعين والمهرة بصورة رخيصة من أجل الحصول على التمويل.
من جهة أخرى، اعتبر “الزنبركجي” أن من الضروري إعطاء تسهيلات تحفيزية وضريبية للمستثمرين السوريين سواءً كانوا مقيمين أم مغتربين، وطرح فرص العمل بشفافية بالاعتماد على الخبرة والمهارة والاختصاص وبعيداً عن المحسوبيات والولاءات، وتحفيز القطاعات الإنتاجية بإعفاءات ضريبية وتسهيلات بعيدة عن البيروقراطية.
المشاريع الخدمية أكثر سرعة في تأمين فرص العمل
على صعيد نوعية المشاريع لناحية تأمينها لفرص العمل، قال الخبير الاقتصادي أن المشاريع الخدمية مثل الفنادق والمطاعم، أكثر سرعة في تأمين فرص عمل لكنها تحتاج استقراراً سياسياً وأمنياً ودعماً وترويجاً كبيراً من الدولة لاستقطاب أعداد كبيرة ومستدامة من السيّاح والمسافرين ومنظّمي المعارض والمهرجانات لضمان استقرار التشغيل، فيما يعتبر أثرها على الاقتصاد “استهلاكياً” مقارنةً بالأثر “التنموي” للمشاريع الإنتاجية.
أما المطلوب من الحكومة في هذا السياق بحسب “الزنبركجي” يبدأ بمنح تسهيلات استثنائية للمستثمرين السوريين مع إعفاء ضريبي كامل لمدة 10 سنوات، وطرح مواقع جديدة للاستثمارات العربية والأجنبية حسب حاجة البلاد، وتخصيص مناطق حرة تعمل كلّ منها بمجال تخصصي وتكون معفاة من الضرائب، وتقديم تسهيلات لاستيراد معدات الإنتاج، والدخول في شراكات بقطاعات حيوية ذات إنتاجية عالية كالطاقة النظيفة من خلال الإعفاءات الضريبية، وتأمين الأراضي الخاصة بالمشروع والدعم اللوجستي، والتسهيلات عبر الموانئ والمطارات والحدود.







