الرئيسيةتقارير

علاج الأسنان في سوريا.. الألم أرخص خيارات المواطن

قصص مرضى وأرقام أطباء تكشف كيف تحوّل علاج الأسنان إلى "كماليات مؤجلة"

كانت سارة، 43 عاماً، موظفة في القطاع العام، تجلس في مطبخ منزلها تفكر بما ستطبخه على طعام الإفطار، حين شعرت بشيء غير عادي في فمها، لم يكن ألماً بالمعنى التقليدي، بل إحساساً مفاجئاً دفعها إلى لمس ضرسها بيدها، لتتفاجأ بأنه يهوي ويتفتت بهدوء، من دون أي وجع جسدي يذكر، لكن ما تلا ذلك لم يكن هادئاً أبداً آلام التفكير بالعواقب، وبالكلفة المنتظرة، طغت على تفكيرها.

سناك سوري-رحاب تامر

لم تنتظر سارة طويلاً، أخذت موعداً عاجلاً لدى طبيبة الأسنان، وهناك جاء التشخيص سريعاً كسر في الضرس الذي أزيل عصبه قبل نحو عام، ما جعله هشاً ومعرضاً للتفتت، السؤال الذي شغل سارة لم يكن طبياً بقدر ما كان مالياً كم ستكلف المعالجة؟

الإجابة كانت مختصرة وقاسية، تركيب ضرس من الزيركون بكلفة 750 ألف ليرة، لأن لثتها حساسة وتعاني من تراجع ولا تحتمل الخزف الأقل ثمناً، ومع الكشف، تبين وجود سنين آخرين منخورين يحتاجان إلى علاج فوري، بكلفة 200 ألف ليرة لكل واحد منهما، إضافة إلى تنظيف اللثة من التكلس مقابل 100 ألف ليرة، المحصلة فاتورة علاج بلغت مليوناً و250 ألف ليرة.

فاتورة لا تعرف سارة كيف ستدفعها، كل ما سمعته لاحقاً من الطبيبة أن بإمكانها التقسيط على مدى شهرين، وكأن الزمن وحده قادر على حل معضلة الأرقام.

تتقاضى سارة راتباً شهرياً قدره مليون و32 ألف ليرة، تعيش في منزل مستأجر، وزوجها شبه عاطل عن العمل نتيجة الركود في السوق، لا مورد آخر للعائلة سوى عمل جانبي تقوم به بعد دوامها الرسمي، بات عليها اليوم أن توزع عائداته بين أجار المنزل، وتكاليف المعيشة لعائلة مؤلفة من ثلاثة أفراد، وكلفة إصلاح ضرس انهار فاتحاً الباب على انهيار من نوع آخر.

كلفة علاج الاسنان

علاج الأسنان.. كماليات مؤجلة

لا تختلف قصة لميس كثيراً عن سارة، سوى في التفاصيل التي تقود إلى النتيجة ذاتها، لميس، 45 عاماً، تعمل في مكتب تجاري، وراتبها الشهري بالكاد يصل إلى 700 ألف ليرة، خلال السنوات الماضية، فقدت ضرسين بالكامل، نتيجة التسوس لم تتمكن من معالجتهما في الوقت المناسب.

تقول لميس إن علاج الضرسين كان سيكلف على الأقل مليوناً ونصف المليون ليرة، مبلغ لم يكن متاحاً بالنسبة لها، فاختارت تجاهل الألم وتبعاته، والتكيف مع الفراغ الذي تركه غياب الأسنان، على أمل أن يبقى الضرر عند هذا الحد.

القرار نفسه اتخذه زوجها أحمد، الذي قال لـ”سناك سوري” إنه غالباً ما يعتمد على المسكنات لتخفيف الألم، وحين يشتد، يذهب إلى طبيب الأسنان لتنظيف الخراج فقط، من دون أن يجرؤ على التفكير بحشو الأضراس المتضررة، فحشو الضرس الواحد قد يكلف نحو 200 ألف ليرة، وعدد الأضراس التي تحتاج إلى علاج لديه ثلاثة.

لكن الألم لا يقف عند حدود الزوجين، فطفلتهما بحاجة إلى تقويم أسنان، بكلفة تقديرية تصل إلى خمسة ملايين ليرة، رقم لم يدخل حيز التفكير الجدي بعد، أحمد يعمل في وظيفة حكومية، ولا يتجاوز راتبه 850 ألف ليرة، بالكاد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة.

بين تجاهل العلاج، وتأجيله، والاكتفاء بالحلول الإسعافية، تتحول صحة الفم والأسنان إلى كماليات يمكن الاستغناء عنها، في عائلات بات عليها أن تختار بين الألم اليومي، أو أرقام لا قدرة لها على تحملها، في مشهد يتكرر بمنازل كثيرة.

أرقام العلاج.. كلفة مفتوحة على مزاج السوق

تقول طبيبة أسنان في اللاذقية لـ”سناك سوري”، مفضلة عدم الكشف عن اسمها، إن كلفة تلبيسة الخزف تصل إلى نحو 300 ألفاً ليرة من دون معالجة، في حين تبلغ كلفة تلبيسة الزيركون 750 ألفاً ليرة، وهي تسعيرة تعتبرها متوسطة ويعتمدها غالبية أطباء الأسنان، مع وجود فروقات صعوداً أو هبوطاً بين عيادة وأخرى.

وبحسب الطبيبة، تبلغ كلفة قلع السن 100 ألفاً ليرة، فيما تتراوح كلفة الحشوة الضوئية بين 125 ألفاً و200 ألفاً ليرة، وتصل كلفة تنظيف الأسنان واللثة من التكلس إلى 100 ألف ليرة، وتشير إلى أن الطبيب هو من يحدد التسعيرة في الغالب، تبعاً لموقع العيادة، وما إذا كانت مستأجرة أم مملوكة، إضافة إلى سمعته المهنية.

وتلفت الطبيبة إلى أن رفع أسعار الكهرباء سينعكس حتماً على أجور علاج الأسنان، باعتبار أن معظم الأدوات المستخدمة في العلاج تعتمد على الطاقة الكهربائية، في حين أن أسعار المواد العلاجية “عادية”، ولم تشهد انخفاضاً ملموساً رغم تراجع سعر الصرف.

وتضيف أن كلفة زراعة الأسنان تتراوح بين 300 و600 دولاراً للسن الواحد، ما يجعل هذا الخيار خارج متناول شريحة واسعة من المرضى.

من جهتها، تقول طبيبة أسنان أخرى في حلب لـ”سناك سوري”، مفضلة أيضاً عدم الكشف عن اسمها، إن كلفة الحشوة من دون سحب عصب تتراوح بين 150 ألفاً و500 ألفاً ليرة، بينما ترتفع مع سحب العصب إلى ما بين 350 ألفاً و850 ألفاً ليرة بالمتوسط أما تلبيسة الزيركون في حلب، فتتراوح بين 500 ألف ليرة و100 دولاراً وما فوق، تبعاً للطبيب والمخبر المعتمد.

وتوضح الطبيبة أن تحديد الأجر يرتبط بشكل مباشر بكلفة المخبر، مشيرة إلى أن الفوارق بين المخابر لا تعود إلى اختلاف المواد المستخدمة، بقدر ما ترتبط بالتقنيات المعتمدة وجودة العمل النهائي، ما ينعكس مباشرة على السعر الذي يتحمله المريض.

زر الذهاب إلى الأعلى