رغم الانتقادات الواسعة .. لماذا تتمسّك السلطة السورية بإبعاد النساء عن المناصب القيادية؟
إرضاء النساء بدعوات محدودة للقاءات وأدوار نمطية .. وانتخابات برلمانية بتمثيل غير عادل للمرأة
تواجه السلطات السورية انتقادات واسعة بسبب إقصائها للنساء عموماً عن مواقع صنع القرار، وعدم منح المرأة السورية فرصة الحضور الفاعل في المجال العام، لكنها رغم ذلك تتمسك بخيار تغييب النساء عن المواقع المهمة والفاعلة، ما يفتح باب التساؤلات عن السبب وراء ذلك.
سناك سوري _ محمد العمر
مع بداية وصولها إلى سدّة الحكم، اعتبر كثيرون أن السلطة الانتقالية القادمة من خلفية “إسلامية سلفية جهادية”، ترفض منح المرأة منصباً قيادياً لأسباب عقائدية تستند إلى فتاوى ومراجع ترفض ولاية النساء على الرجال حتى على مستوى دائرة أو شعبة داخل أي مؤسسة، وتعتبر أنه لا يجوز أن تكون المرأة مديرةً على موظفين من الرجال.
أدوار نسائية لتغيير النظرة إلى السلطة
لكن، وعلى العكس من ذلك، حاولت السلطة أن تبدي انفتاحاً تجاه المسألة وتغيّر الصورة المرسومة عنها، فمنحت النساء أدواراً عدة لا سيما في اللجان التي كان تشكيلها يصدر من الرئيس الانتقالي “أحمد الشرع”، مثل لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري، ولجنة الحوار الوطني واللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب.
إلا أن هذه اللجان كانت تتمتع بطبيعة مؤقتة مرتبطة بمهمة محددة، ينتهي عمل اللجنة بانتهائها، على عكس الحكومة مثلاً والتي شكّلها “الشرع” بنفسه أيضاً بعد انتهاء ولاية “حكومة الإنقاذ” التي تسلّمت تصريف الأعمال في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، وكان من المنتظر أن تختلف الحكومة الجديدة في تركيبتها الجندرية عن سابقتها التي تخلو من النساء، لكن تشكيلة الحكومة الجديدة لم تضم سوى وزيرة واحدة هي “هند قبوات” للشؤون الاجتماعية والعمل.
وينطبق الأمر كذلك على تشكيل مجلس الشعب، والذي تم حتى الآن اختيار 119 شخصاً من أعضائه الـ 210، ولم يكن بينهم أكثر من 6 نساء فقط بنسبة لا تتجاوز 5%، ما دفع نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا “نجاة رشدي” لاعتبار أن العملية الانتخابية اتسمت بتمثيل غير عادل للنساء منذ البداية، وهو الأمر الذي كان من الممكن تفاديه وفق حديثها.
لماذا تتمسّك السلطة بإقصاء النساء؟
تنظر السلطة السورية إلى المرحلة الحالية بأنها مرحلة الانتقال نحو التمكين والاستقرار، وتوحيد الجغرافيا السورية تحت قيادة سلطة مركزية توطّد أركان الحكم، وتنهي الانقسامات القائمة، وأن هذه المهمة التي تتخذ في كثير من جوانبها منحىً عسكري وأمني تحتاج إلى “رجال” من القيادات المقاتلة، لا سيما من الفصائل التي شاركت في “مؤتمر النصر” وأعلنت اختيار “الشرع” رئيساً، وتم لاحقاً توزيع المناصب على قادتها في الجيش والأجهزة الأمنية وحتى المناصب المدنية.
تعيين رئيسة بلدية في سوريا.. حدث لافت في ظل غياب تمثيل النساء
من جانب آخر، فإن الكثير من التعيينات وخاصة في المراكز القيادية والمناصب الهامة، كانت محطَّ جدل حول اعتماد “الولاء” بدلاً من الكفاءة، وصلات القرابة بدلاً من عدالة الفرص، بما في ذلك إرضاء الفصائل العسكرية من حلفاء الأمس، والتي بطبيعة الحال تؤول إلى “رجال” ما يحرم المرأة من الفرص العادلة في الوصول وتولّي المناصب، وتحوّل أي مهمة تتسلّمها إلى مجرّد “منحة من القيادة” أخذتها بسبب أفضال القيادة وليس بسبب استحقاقها كامرأة.
نظرة ذكورية إلى السياسة
كما أن العقلية الذكورية في الرؤية السياسية مستمرة دون تغيير عن مرحلة ما قبل سقوط النظام، فالحديث عن منصب سياسي يحيل دائماً في الخيال العام إلى الذكور، فيما تترك للنساء المهام ذات الطابع الإغاثي أو الإنساني أو الثقافي، وهي السياسة التي كانت متّبعة تجاه النساء في سوريا خلال العقود الماضية.
في حين، لم يرِد في الإعلان الدستوري أي إشارة إلى “كوتا نسائية” في الأجسام السياسية سواءً الحكومة أو مجلس الشعب، ما يمنح الحرية للسلطة التي تشكّل البرلمان بالتعيين أن تتجاهل الحضور النسائي وتتذرّع بعدم “انتخاب” النساء عبر “الهيئات الناخبة”.
وبينما قد يكون هناك تيار داخل السلطة يرفض أو لا يحبّذ الحضور النسائي في المواقع القيادية، إلا أن العامل الأهم في ما يبدو هو تحقيق مصلحة السلطة من خلال إرضاء حلفائها ورسم خارطة تحالفات وشبكة علاقات وتوازنات تضمن لها استقرارها من خلال توزيع المهام والمناصب والصلاحيات، وتحمّل الانتقادات إثر ذلك والرد على الاتهامات بإقصاء النساء من خلال حضور رمزي في اللقاءات والاجتماعات، بما يعطي انطباعاً بأن الدور المطلوب من المرأة أن تكون “ديكور” الجلسات لا أن تكون صاحبة قرار.








