رعاية الأطفال المرضى: مسؤولية لا تعترف بها القوانين ولا الشريك أحياناً
كيف تتحوّل رعاية الطفل المريض إلى عبء فردي على الأمهات؟

بينما كانت “ليلى” 45 عاماً معلمة مدرسة تجهز طفلها للخروج إلى المدرسة نهاية العام الفائت، لاحظت أن ابنها 8 أعوام يعاني من خمول وحرارة، ولن يستطيع الذهاب معها، وفي الوقت كانت إجازاتها الإدارية السنوية قد انتهت ووقعت في حيرة كبيرة انتهت بطلب المساعدة من جارتها ريثما ينتهي دوامها.
سناك سوري-رحاب تامر
لم تفكر الأم باللجوء إلى الزوج أبداً، وحين سألها سناك سوري لماذا، قالت إنها لا تعرف لماذا لم يخطر في بالها وبأنها غير معتادة على اللجوء إليه في مثل هذه الحالات التي تعتبر مسؤولة عنها مباشرة بدون تدخل منه.
حكاية “فرح” 36 عاماً ليست مختلفة كثيراً، فهي تعمل بالقطاع الخاص، والإجازات غير مدفوعة وبحال كثرت إجازاتها لأي سبب، يمكن استبدالها بأي موظفة أخرى فوراً، وتشارك “فرح” سناك سوري تجربة مرت بها حين مرضت والدتها قبل عدة أشهر، ولم تستطع تقديم الرعاية لها ولا حتى زيارتها سوى خلال أيام العطلة الأسبوعية الجمعة والسبت، مشيرة أن والدتها تفهمت الأمر فخسارة العمل شيء كارثي بظل هذه الظروف.
إقرار قوانين تراعي خصوصية الأمهات العاملات خطوة مهمّة، لكن فعاليتها تبقى محدودة ما لم يكن الزوج شريكاً حقيقياً في تحمل المسؤوليات نور جزائرلي – حقوقية وناشطة نسوية
في المقابل، يقول “ابراهيم” 45 عاماً يعمل بالتجارة، إنه لا يمانع رعاية أطفاله بغياب أمهم لأي ظرف سواء عمل أو نزهة، إلا أنه عند المرض تحديداً لا يستطيع لأنه لم يعتد الأمر والقيام بهذه المسؤولية، لافتاً أن عمله يتطلب حضوراً دائماً ومن الصعب التغيب عن السوق، لكنه بحال اضطر سيخوض التجربة.
تعكس رواية “إبراهيم” حضوراً أبوياً مشروطاً، يقتصر غالباً على حالات الغياب المؤقت أو الطارئ، فيما تبقى رعاية الطفل عند المرض بما تحمله من قلق، وسهر، واتخاذ قرارات سريعة مسؤولية تسند تلقائياً إلى الأم، حضور لا يغيب بالكامل، لكنه لا يتحول إلى شراكة فعلية عند اللحظات الأكثر ضغطاً، حيث تفهم الأمومة بوصفها القدرة الطبيعية على الاحتمال، بينما يعامل غياب الأب عن العمل كخسارة أكبر من غياب الأم، حتى حين تكون الأخيرة هي المعيل الأساسي أحياناً.

إجازات موجودة لكنها لا ترى مرض الأطفال
في المقابل، تظهر النصوص القانونية فجوة واضحة بين الاعتراف بالأمومة كحالة بيولوجية، وتجاهلها كمسؤولية يومية مستمرة، إذ يمنح قانون العمل السوري العاملة إجازة أمومة مدفوعة الأجر تتراوح بين 120 يوماً للولادة الأولى، و90 يوماً للثانية، و75 يوماً للثالثة، تبدأ خلال الشهرين الأخيرين من الحمل، مع تخفيض مدتها إلى النصف في حال وفاة المولود، إضافة إلى ساعة رضاعة يومية مدفوعة حتى يتم الطفل عامه الأول، وإمكانية الحصول على إجازة إضافية غير مدفوعة لمدة شهر واحد.
لكن هذه الإجازات، على أهميتها، تنتهي عملياً عند عودة الأم إلى عملها، من دون أن توفر أي حماية قانونية في حال مرض الطفل لاحقاً، أو حاجته إلى رعاية طارئة، ما يترك الأمهات العاملات أمام خيارات محدودة، غالباً ما تنتهي بالتغيب غير المحمي، أو استهلاك الإجازات السنوية، أو اللجوء إلى حلول إسعافية خارج إطار الأسرة.
حين تجبر النساء على الاختيار المتكرر بين الرعاية والعمل، تتآكل فرصهن في العمل، ليس نتيجة عدم كفاءة أو رغبة، بل كنتيجة مباشرة لغياب الحماية والدعم
في المقابل، يتيح القانون إجازات اضطرارية مدفوعة الأجر للعاملين في مناسبات الزواج أو الوفاة، من دون أن يلحظ أي إجازة مشابهة لرعاية الأطفال المرضى، وهو ما يعمق الفجوة بين الدور المتوقع من الأم بوصفها “الحاضنة الدائمة”، وبين غياب اعتراف تشريعي بهذه المسؤولية، أو توزيعها بشكل أكثر عدالة داخل الأسرة وسوق العمل.
لا يقتصر أثر هذا الواقع على الأمهات وحدهن، بل يمتد ليطال استقرار العمل نفسه، والعائلة، والمجتمع على المدى الأبعد، فحين تجبر النساء على الاختيار المتكرر بين الرعاية والعمل، تتآكل فرصهن في العمل، ليس نتيجة عدم كفاءة أو رغبة، بل كنتيجة مباشرة لغياب الحماية والدعم.
وعلى المستوى النفسي، تتحول الأمومة من علاقة رعاية إلى عبء دائم، يرافقه شعور بالذنب والقلق والاستنزاف، في بيئة لا تعترف بهذه المسؤولية إلا بوصفها شأناً خاصاً يجب تدبيره خارج إطار العمل والأسرة الموسعة.
وبينما تحمل الأمهات مسؤولية البقاء حاضرات في العمل، كما لو أن شيئاً لم يحدث، ويُنتظر منهن في الوقت نفسه أن يكنّ الحاضن الدائم لأطفالهن عند المرض، يبقى السؤال مفتوحاً: مَن يتحمل فعلياً مسؤولية الرعاية حين يمرض الأطفال، إذا كانت الأم مطالبة بالحضور الكامل، والأب محكوماً بالغياب، والقانون يقف عند حدود الولادة فقط؟
إجازات تعترف بالولادة وتتجاهل الرعاية
في قراءة قانونية لهذا الواقع، توضح الحقوقية والناشطة النسوية نور جزائرلي لـ”سناك سوري”، أن قانون العمل السوري «لم يلحظ سوى إجازة الأمومة، والتي تختلف مدتها بحسب ترتيب الطفل، إذ تبلغ أربعة أشهر للإنجاب الأول، وثلاثة أشهر للثاني، وتتراجع أكثر مع الطفل الثالث»، معتبرة أن هذا التدرج يوحي وكأن القانون «يفترض أن الأم تعتاد الإنجاب وتصبح أكثر قدرة على الرعاية، متناسيا أن أعباءها تتضاعف مع زيادة عدد الأطفال».
وتشير جزائرلي إلى أن القانون أغفل واقعاً اجتماعياً قائماً، يتمثل في أن «غالبية الرجال في المجتمع الذكوري لا يتقبّلون فكرة العناية بالطفل في غياب الأم»، ما يجعل مسؤولية الرعاية عمليا ملقاة على عاتق النساء وحدهن، حتى في الحالات الطارئة.

وتضيف أن التشريعات الحالية لا تأخذ في الحسبان حالات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين تتطلب رعايتهم وقتاً وجهداً مضاعفين مقارنة بالأطفال الآخرين، موضحة أن الأم العاملة، في حال مرض طفلها، «تضطر إلى استهلاك إجازاتها السنوية أو اللجوء إلى مساعدة والدتها إن أمكن، في ظل غياب أي نص قانوني يوفر حماية خاصة لهذه الحالات».
وبرأيها، تقف كثير من النساء أمام خيارين لا ثالث لهما، خصوصاً في غياب شريك داعم ومتقاسم للمسؤوليات: «إما تحمل كامل الأعباء النفسية والجسدية والمهنية بمفردها، أو ترك العمل والتفرغ لرعاية الأطفال».
وفي هذا السياق، تؤكد جزائرلي أن «الأطفال ليسوا أبناء الأم وحدها، بل تقع مسؤوليتهم على عاتق الطرفين، الأب والأم معا»، محذّرة من أن تخلّي أي طرف عن دوره «يؤدي إلى خلل في توازن الأسرة، لا في رعاية الأبناء فقط، بل في تقاسم مجمل المسؤوليات الأسرية».
وحول جدوى الحلول القانونية، ترى جزائرلي أن «إقرار قوانين تراعي خصوصية الأمهات العاملات خطوة مهمّ، لكن فعاليتها تبقى محدودة ما لم يكن الزوج شريكاً حقيقياً في تحمل المسؤوليات»، معتبرة أن جوهر المشكلة «يكمن في بنية الأسرة نفسها، وهي مساحة لا تستطيع القوانين وحدها ضبطها أو إعادة تشكيلها».







