أخر الأخبارالرئيسيةسناك ساخن

خطر تنظيم الدولة هل يُطِل بِرأسِه؟

أولويات التدخل الحكومي وقدرة الحكومة على تفكيك إرث التنظيم

مازال مشهد الخليفة واقفاً في مسجد الموصل يخطب بالناس حاضراً في ذاكرة السوريين القريبة، ومعه مشهد حرق الناس بالأققاص، والتفجيرات والمفخخات وعناصر الحسبة. هذه الذاكرة التي تخيف ولا تمحى بكلام وتصريحات عابرة فخطر التنظيم قد يطل برأسه من جديد في دولة تمر بمرحلة التعافي وتحتاج كل الحذر.

سناك سوري – بلال سليطين

في عام 2014 كان تنظيم الدولة (داعش) حاكماً من الموصل إلى الرقة السورية، وعلى مدى 3 سنوات من حكمه العابر للحدود بين سوريا والعراق، استطاع السيطرة على جغرافيا واسعة، وأسس كياناً يضم مؤسسات وتنظيمات داخلية، من الحسبة إلى أشبال الخلافة (الأطفال الذين أوكل لبعضهم مهام إعدام مصورة) والاستخبارات والكتائب النسائية، وجيش الخلافة ودابق وعسكر الولايات..إلخ.

ويقدر عدد عناصر التنظيم وكوادره خلال حقبة السيطرة الكلية من الموصل إلى الرقة بعشرات الآلاف من المقاتلين بعيداً عن ضحاياه ممن انتموا له وتأثروا بالفكر والعقيدة والتنشئة التي عمل عليها خلال فترة حكمه التي استمرت حتى عام 2017 ولم ينتهي وجوده بنهاية فترة الحكم.

بعد حرب ضروس دمِّر فيها قرابة 80% من محافظة الرقة السورية، أُزيح التنظيم عن النفوذ والسيطرة العسكرية على الجغرافيا الواسعة، لكن بقي لديه مئات وربما آلاف العناصر والكوادر بعضهم بالسجون وبعضهم خارجها.

وطوال قرابة عشر سنوات من سيطرة التحالف الدولي بقيادة واشنطن بالتعاون مع قسد على المنطقة فإنهم لم يفعلوا شيئاً سوى الحرب والقتال والاحتجاز، دون أي إجراءات يعتدّ بها على صعيد تفكيك البنية الفكرية والعقائدية للتنظيم والتي بقيت موجودة وعمل التنظيم على توريثها وتعميمها بقدر استطاعته.

مقالات ذات صلة

بالتالي نحن أمام ملف لم يعالج ولم ينتهي بعد، ولا يمكن علاجه بالطريقة التجميلية التي تنكر وجوده وتحوله إلى ضحية، وإن كان بكل تأكيد يوجد ضحايا ومظلومية وسوء تعاطي وتعامل مع الحقوق ومع الإنسان ومع الأطفال، لكن هذه السردية تأتي في إطار الاختلاف والصراع السياسي والعمل وتبني مظلومية في إطار المواجهة السياسية لتكون حاملاً أساسياً وحاضناً شعبياً لها.

لكن هذا لا يعني عدم وجود التنظيم فلا يمكن محوه من الذاكرة القريبة للسوريين بجرائمه وانتهاكاته التي لا نظير لها، والتي لم توفر أحداً فكل آخر مختلف عن جماعة “داعش” كان  هدفاً مشروعاً لعناصره وكواده.

وبالتالي لا يمكن معالجة هذا الملف بالمناكفة السياسية ولا بتسجيل النقاط ولا بوضع التنظيم في سياق خارج دوره ووظيفته وأفعاله التي ارتكبها في سوريا ومازال يرتكبها. وإنما بالواقعية والجدية المفرطة والمطلقة وبإدراك حجم الخطر، بالسياسة لا شك أن توسيع السيطرة على الجغرافيا هو انتصار للحكومة لكن الجغرافيا أيضاً مسؤولية من الخدمات إلى الأمن والسلامة وحصر مصادر التهديد أيضاً وعلى رأسها “داعش”.

لكن ماهي خطة الحكومة للتعامل مع الملف الذي أصبح بمعظمه بين أيديها، فإن الجواب هو أن الخطة توضع الآن ولم تكن جاهزة من قبل. حتى أكبر المسؤولين الذين تولى هذا الملف على الأرض بمن فيهم الوزراء السابقين في حكومة الإنقاذ ليس لديهم إجابات حول الخطة.

كل ما نراه حالياً هو إجراءات سريعة مستعجلة، تظهر أشكالاً وأنماطاً من التحرك والتدخل في إخراج سجناء وإدارة سجون ومراجعة ملفات، وسردية إعلامية تقدم على عجل أيضاً وكلها تدور حول المظلومية ويستثنى منها الخطر وحتى التنظيم وتاريخه.

رغم أن “داعش” خلال 2025 وحدها سجّل حضوره وأثبت وجوده وتهديده في عدة مناسبات من تفجير الكنيسة إلى المسجد وصولاً لحادثة تدمر التي استهدفت اجتماعاً بين الحكومة السورية والقوات الأميركية. وذلك على الرغم من أنه كان محاصراً نسبياً في جغرافيا محددة وبقايا عناصره محدودي الحركة بشكل كبير.

هذا يعني أن الخطر كان ومازال موجوداً وسيتضاعف إذا امتلك عناصره حرية الحركة والتنقل دون رقيب في جغرافية سورية واسعة ومليئة بالأهداف للتنظيم وعناصره. ما يجعل الخطة أولوية على الإجراءات المستعجلة والمتسرعة قبل فهم ماذا نفعل وهل نحن نعرف ما نفعل، وهل ما نفعله آمن؟!.

لا شك أن تولي السلطة السورية هذا الملف هو أفضل بكثير من أي طرف آخر، لسبب جوهري أنها تعرف كيف يمكنها أن تعالج الفكر والأيديولوجيا المتطرفة لدى عناصر التنظيم أكثر من أي طرف آخر، ويمكنها أن تحظى بقبول لدى العناصر دون غيرها ممن تعاملوا معهم خلال سنوات، وهذا بالتأكيد لا يحدث بيوم وليلة ولكن بتدخل تراكمي طويل الأمد. وربما عليها أن تبدأ من الأطفال الذين كانوا ضحايا التنظيم ومن ثم بيئة الاحتجاز ويحتاجون لدخل ورعاية مركزة لكي تتم حمايتهم من الاستغلال لاحقاً من قبل التنظيم ولا يقعوا ضحاياه بسهولة مرة أخرى.

أي أن الجانب الإيجابي يكمن في أن السلطة السورية يمكنها التأثير الإيجابي في العناصر لمنعهم من تشكيل خطر على المجتمعات وعليها، لكن تبقى خطة التدخل هي الأهم والتي تحتاج أن تكون طارئة وعاجلة وجزء رئيسي منها على عاتق المؤسسة الدينية التي كان يجب أن تصل أولاً وتدخل أولاً.

فالأولوية اليوم هي حصر المخاطر ومنع التدهور وإدارة الملف بعيداً عن التجاذبات والاستثمار السياسي، وكذلك الإنصاف ورفع الظلم عمن ظلم فعلياً، ونشر الوعي بين ضحايا أيديولوجيا التنظيم وتأهيلهم ليكونوا مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات وتنتهي حدودهم عند حدود الآخرين.

زر الذهاب إلى الأعلى