حين منعت امرأتان حرباً بين رجلين.. نحن أهل
دور النساء في بناء السلام
في تسعينيات القرن الماضي كنت شاهدة على قدرة اثنين من النساء الريفيات على وضع حد لمشكلة كادت أن تتطور من ملاسنة إلى ضرب بين رجلين اختلفا على حدود أرضيهما المتداخلة، بسرعة البرق نادت زوجة أحد الرجلين على زوجة الرجل الآخر، وأخبرتها أن تقنع زوجها بالعودة للمنزل وفعلت مثلها، بعد كثير من الجهد نجحت الزوجتان، لكن دورهما لم يتوقف عند هذا الحد.
سناك سوري-رحاب تامر
عملت الزوجتان على التخفيف من حدة المشكلة، استخدمتا عبارات مثل “مافي شي مستاهل”، “نحن أهل”، “فكر بهدوء بعدين منلجأ للقضاء”، وما إلى ذلك من العبارات التي أحدثت مفعولها بعيداً عن ثورة الغضب والذكورة، وفي مساء ذلك اليوم اجتمع الرجلان وحلّا الخلاف بشكل ودي.
حين تعالت الأصوات واشتدت الانفعالات، كانت الزوجتان قادرتان على الرؤية أبعد من لحظة الغضب، واستدعاء الحكمة التي تنبع من إدراك عميق لقيمة الاستقرار المجتمعي وأهمية العلاقات الإنسانية
لم ينتبه أحد إلى بطلات الحل كما أسميتهما حينها وكنتُ في سن المراهقة، وأنا أسمع حديثهما الساخر صبيحة اليوم التالي على فنجاة قهوة مما حدث، وكيف روت كل واحدة منهما حديثها مع زوجها قبل أن تنفجر الجارات ضاحكات من سخف المشكلة التي كادت تؤدي إلى قطيعة تامة بين عائلتين جارتين.
في الحقيقة على بساطته، يجسد ذلك المشهد قدرة النساء على تعزيز السلم الأهلي والعمل حيث لا يلتفت الآخرون، ففي حين، تعالت الأصوات واشتدت الانفعالات، كانت الزوجتان قادرتان على الرؤية أبعد من لحظة الغضب، واستدعاء الحكمة التي تنبع من إدراك عميق لقيمة الاستقرار المجتمعي وأهمية العلاقات الإنسانية.
لم تكن تلك المبادرة نتيجة تخطيط مدروس بل فعلاً فطرياً نابعاً من إحساس بالمسؤولية تجاه العائلة والمجتمع، ترافق مع حسن التعامل مع المشكلة، فالنساء ونتيجة عوامل التربية يعملن على حل المشاكل وحسن التعامل معها بغالبية الأحيان، كما في هذه المشكلة حيث أدركن أن الخسارة الأكبر ليست قطعة أرض صغيرة، بل تمزق النسيج الاجتماعي الذي يربط الجيران والأهل.
فلماذا لا نجرب استثمار قدرة النساء في تعزيز السلم الأهلي خصوصاً في بلد مثل سوريا، حيث الانقسامات على أشدها وتبعات الحرب ماتزال تفتك بالبلد.
تجربة فيساكا: هل يمكن للسوريات قيادة طريق المصالحة؟
في قصة السيدتين الريفيتين اللتين تصدّيتا للنزاع بعفوية ومسؤولية، تبرز صورة النساء بوصفهن خط الدفاع الأول عن النسيج الاجتماعي حين تتصدّع العلاقات ويغيب التعقل، هذا الدور “غير المرئي” لا يقتصر على قرانا ومجتمعاتنا، بل نجد له صدى واضحاً في تجارب دول أنهكتها الحروب.
الناشطة السيرلانكية “فيساكا دارماداسا“، قادت واحدة من أنجح تلك التجارب، حيث حوّلت حزنها على فقدان ابنها بالحرب الأهلية في بلادها، إلى مبادرة وساطة فردية، وجمعت معها أمهات لمفقودين عام 2000، ثم سافرت معهنّ إلى أراضي حركة “نمور التاميل” المتمردة ضد الحكومة حينها، في مهمة محفوفة بالمخاطرة.
من ريف سريلانكا إلى ريف سوريا، يبدو أن النساء، رغم اختلاف الجغرافيا، يشتركن في موهبة فطرية احتواء النزاع بالحكمة، لا بالصوت العالي
التقت الأمهات بأحد القادة الميدانيين للحركة، وقمن بتحميله رسائلهنّ لقادة الحركة، وبعد أيام وصل الرد غير المتوقع، وأعلنت الحركة وقفاً أحادي الجانب لإطلاق النار كانون الأول 2000، استجابة لوساطة الأمهات.
لكن دور دارماداسا لم يتوقف عند تلك اللحظة، حيث أسست “رابطة النساء المتأثرات بالحرب” (AWAW)، وهي منظمة جمعت نساء من الطرفين المتنازعين للعمل سوياً على إعادة ترميم الثقة المجتمعية، وتعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية بعد الحرب، ومن خلال الرابطة حظيت آلاف النساء على تدريب بالعمل السياسي والقيادي، وكن مؤمنات أن التغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة، من النساء اللواتي اختبرن الحرب بألمها الكامل، فقررن أن يصنعن السلام بأيديهن.
تجربة دارماداسا تظهر بوضوح أن تدخل النساء لا يحتاج إلى تصريح رسمي أو وساطة دولية أو ضغط نسوي، إنما فقط يحتاج إلى شعور بالمسؤولية الإنسانية والقدرة على التصرف، ومن ريف سريلانكا إلى ريف سوريا، يبدو أن النساء، رغم اختلاف الجغرافيا، يشتركن في موهبة فطرية احتواء النزاع بالحكمة، لا بالصوت العالي.
ما فعلته “فيساكا” يمكن أن تفعله آلاف النساء السوريات إن أُتيحت لهن المساحة والثقة والدعم، فهن يعرفن قرى الجيران، ويعرفن مفاتيح الحوار، ويمتلكن ما هو أهم من أي اتفاق سياسي رغبة حقيقية في إنقاذ ما تبقّى من الروح السورية، وكما قال وزير خارجية ناميبيا يوماً ما: “النساء يشكلن نصف المجتمع، فلماذا لا يشكلن نصف الحلول؟”.







