بين تأخر الرواتب والفصل: موظفون يدخلون رمضان بلا دخل واضح
دوام إلزامي، دخل غائب، ومصير وظيفي معلّق في مؤسسات عامة عدة
قبل ثلاثة عشر يوماً فقط، وبينما كانت تستعد لدخول عيادة الطبيب الذي يعالجها من السرطان وصل قرار الفصل على هاتفها المحمول عبر تطبيق واتساب، رسالة قصيرة، بلا تمهيد، بلا استدعاء، بلا نقاش: «أنت فائض، لا تداومي بعد اليوم».
سناك سوري-رحاب تامر
بهذه الطريقة، فقدت “إسعاف”، الخمسينية العاملة في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل حماة، مصدر دخلها الوحيد، بعد سنوات من العمل والمرض والخسارات المتراكمة، تقول لـ”سناك سوري”: «فجأة صاروا يقولوا أنتِ فائض، ما فيكِ تجي تداومي».
دخلت المرأة التي تنحدر من “التمانعة” في خان شيخون، إلى العمل كمستخدمة بعد سنوات طويلة من التنقل بين أعمال مؤقتة لتأمين المعيشة لها ولوالدتها المقعدة، لم تتزوج، وكانت الأسرة تعتمد على دخلها المحدود. «الحالة على قدها، اشتغلت بكل شي لنعيش»، تقول.
بعد خروجها من إدلب انتقلت إلى حماة، ثم عملت ثلاث سنوات في روضة أطفال عبر الاتحاد النسائي، تعيش مع والدتها في غرفة مستأجرة، واليوم لا تستطيع العودة فمنزل عائلتها في القرية تهدّم بالكامل، من دون قدرة على الترميم.
لاحقاً بعد حل الاتحاد النسائي تم فرزها للعمل في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، بعد شهرين فقط من مباشرتها عام 2018، أصيبت بمرض السرطان، حاول مديرها ومعاونه حينها مراعاة وضعها الصحي، فنُقلت إلى عمل أخف، وبقيت على رأس عملها طوال سبع سنوات من العلاج الكيماوي والتحاليل والفحوصات المكلفة. «كل ثلاثة أشهر تحاليل وصور بالملايين، حاولت أعمل جمعيات من راتبي لأغطي شوي من العلاج».

توضح أن الدواء الذي تتناوله يتغير باستمرار، وكل مرة يكون أغلى من سابقه، «آخر مرة 20 حبّة سعرهم 150 دولار، ضليت أيام من دون دوا لحتى ولاد الحلال ساعدوني»، تقول “إسعاف”.
رغم مرضها، تؤكد أنها لم تنقطع عن الدوام: «مو إنو آخد الجرعة وروح، كنت داوم»، لكن بعد تغيير الإدارة، حاولت مقابلة المدير الجديد، دون جدوى. حاولت الوصول إلى الوزيرة، لكنها لم تتمكن.
«معنوياتي تدمرت… وأنا محتاجة نفسيتي تكون منيحة لواجه مرضي»، قبل ثلاثة أشهر، فقدت والدتها، وباتت وحيدة بالكامل، والدها متوفى منذ ثلاثين عاماً «ما عندي غير الله».
رفض المدير مقابلتها، وأُبلغت شفهياً بأنه لا مكان لها في العمل بعد اليوم، «قلي معاون المدير: ما في مجال، أنتِ مالك شغل عنا»، راتبها، كما تقول، لم يكن كبيراً، لكنه كان ساتراً. «كنت أعمل جمعيات، أقدر أمّن دواي. هلأ بلا راتب رح موت، ما عندي مورد تاني».
دوام إلزامي وديون مفتوحة
قبل أيام من دخول شهر رمضان كان محمد 36 عاماً من حلب، والموظف منذ عشرة أعوام، يحاول للمرة الأخيرة أن يحسب ما تبقى لديه من خيارات، لا راتب منذ 3 أشهر، لا موعد واضح للصرف، وديون استهلكت حتى آخرها.
يقول محمد لـ”سناك سوري”، إن آخر راتب تقاضاه كان عن شهر تشرين الثاني، ومنذ ذلك الحين لم يتلقَّ وزملاؤه أي أجر، ولا حتى إجابة واضحة عن موعد الصرف. «نعيش على الدين من القريب والغريب، لكن الوضع ما عاد يحتمل، وما ضل حدا نتدين منو أساساً»، يقول والد الطفلين الصغيرين.

محمد يعمل في مؤسسة كانت تعرف سابقاً باسم الإسكان العسكري، قبل أن يتغير اسمها بعد سقوط النظام السابق إلى البناء والتشييد، وتنتقل تبعيتها من وزارة الدفاع إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان، لكن تغيير الاسم والمرجعية، بحسب الموظفين، لم يرافقه أي وضوح إداري أو مالي.
في المؤسسة، يقال للموظفين إن الراتب “اليوم أو بكرا”، فيما يفرض دوام إلزامي مع تشديد على المواعيد ومراقبة الحضور.
«ما معي حق مازوت، وعندي ولدين صغار حاولت أدور على شغل، بس ما لقيت غير صباحي براتب قليل، وإذا اشتغلت فيه رح اخسر وظيفتي وبأي لحظة ممكن يقولولي فيه الله معك لأن الشغل بالقطاع الخاص ليس مضموناً».
فائض بلا أجر ولا قرار
في اللاذقية، تروي “نبال” 40 عاماً قصة لا تختلف كثيراً، وإن بدت أكثر تعقيداً، نبال موظفة في شركة الإنشاءات العسكرية، تاريخ مباشرتها يعود إلى 28 تشرين الأول 2011، وآخر راتب تقاضته كان عن شهر آذار 2025.
«كل ما نسأل عن وضعنا ورواتبنا بيقولوا ما في شي جديد، نحن فائض»، تقول نبال لـ”سناك سوري”.
نبال تحمل إجازة في اللغة العربية، عملت في التدقيق اللغوي ضمن القسم الإداري، ثم كنائب رئيس قسم في مكتب السكن، اليوم، تجد نفسها ضمن ما يزيد على 2000 موظف وموظفة صنفوا “فائضاً” بعد الدمج كما أخبرتنا، من دون أن يكونوا مفصولين نهائياً، ولا قادرين على العمل، ولا متقاضين لأي أجر.
تشرح نبال أن وضعها المعيشي تدهور تدريجياً، خاصة بعد أن فقدت منزلها في الزلزال، وكان راتبها رغم قلته يكفي على الأقل لدفع إيجار البيت في القرية التي تعيش بها بريف اللاذقية.
«لحد الآن وضعنا مو واضح، بيخبرونا أنه كف راتب حتى بيان الوضع وناطرين».
نبال أم لطفلة في الصف الأول، وتوأم بعمر سنتين ونصف، زوجها كان يعمل معها، ولديه خدمة منذ عام 2012، لكنه اليوم بلا عمل ثابت أيضاً.
«نحن عقود سنوية، صنفونا فائض وأخبرونا أننا لسنا مفصولين بشكل نهائي لكن بأي لحظة ممكن يطلع قرار إنهاء الصك».
أزمة تتجاوز مؤسسة واحدة
مشكلة تأخر الرواتب لدى الموظفين المثبتين، وفصل أو تعليق العقود السنوية، لا تقتصر على مؤسسة البناء والتشييد وحدها، بل تبدو اليوم ظاهرة أوسع تعاني منها مؤسسات عامة أخرى، حيث يجد العاملون أنفسهم عالقين بين دوام إلزامي ودخل غائب.
في شركة غزل جبلة، تقول “ناديا” إنها لم تتقاضَ راتبها منذ عدة أشهر، ورغم ذلك تواصل الدوام بشكل يومي خشية فقدان عملها، «ما فينا نغيب، الغياب يعني خسارة الشغل، حتى لو الراتب مو موجود»، تقول لـ”سناك سوري”.
حال ناديا يتقاطع مع حال ناهدة، العاملة في مؤسسة الريجة، والتي مضت خمسة أشهر على تقاضيها آخر راتب.
توضح ناهدة لـ”سناك سوري” أنها اضطرت للعمل في وظيفة أخرى أونلاين بدوام جزئي لتأمين الحد الأدنى من المصروف اليومي لها ولعائلتها.
«في البيت عندي أخت واثنين من إخوتي، كلنا يا مفصولين من الشغل، يا ما عم نقبض رواتبنا بسبب التأخير»، تقول ناهدة، مضيفة أن الاعتماد على دخل بديل لم يكن خياراً، بل ضرورة فرضها الواقع.
وبحسب موظفين في أكثر من مؤسسة عامة، فإن قرارات الدمج وتصنيف “الفائض” تطبق دون أن تترافق مع آليات واضحة تضمن استمرارية الرواتب أو بدائل معيشية مؤقتة للعاملين.
وفي ظل غياب قرارات واضحة أو جداول زمنية معلنة لمعالجة ملف الرواتب والعقود، يبقى آلاف العاملين في القطاع العام أمام انتظار مفتوح، تتآكل خلاله قدرتهم على الصمود، فيما تتحول الرواتب من حق شهري إلى وعد غير محدد الموعد.
يذكر أنه وبعد سقوط النظام السابق أعلنت الحكومة الجديدة عن منح العديد من الموظفين إجازات مأجوة لمدة 3 أشهر تحت اسم “إعادة الهيكلة”، وتم تمديدها لمرتين قبل أن تعلن الأمانة العامة لشؤون مجلس الوزراء عن عودتهم لدوامهم الرسمي في قرار صادر صيف العام الفائت، جاء فيه أيضاً عدم التمديد للعقود المؤقتة إلا ضمن ضوابط معينة.
ومنذ ذلك الحين صدرت العديد من قرارات الفصل التي طالت عمال وعاملات عقود، بعضهم أمضى أكثر من 15 عاماً في الخدمة الوظيفية وخرج منها دون أي حقوق ودون أن يتعلم أي مهنة أو عمل آخر.





